إن مفهوم الشرك في مدرسة الثقلين يتجاوز المعنى الضيق بعبادة الأصنام، ليمتد إلى جوهر ( الحاكمية والطاعة ).
فالشرك يقع متى ما جُعل لغير الله حق في التشريع أو الطاعة المطلقة، وهو ما يفسره قوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم باللّه إلّا وهم مشركون} (سورة يوسف : ١٠٦)، حيث استمروا على الإيمان اللفظي بينما وقعوا في شرك الطاعة والاتباع.
أولاً: شرك الطاعة (موالاة الشيطان وأوليائه)
يمثل هذا النوع الانقياد العملي لغير منهج الله، ويتحقق بـ:
• مجرد الطاعة في المعصية: إن الشيطان وأولياءه لا يدعون الناس لعبادتهم صراحة، بل يدعونهم لمخالفة أمر الله. فمتى ما أطاع المرء مخلوقاً في معصية الخالق، فقد اتخذه نداً، وأشرك في طاعته، وصار ناصراً لدين الشيطان ، قال تعالى: {الم اعهد اليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين} (سورة يس: ٦٠).
التحاكم للطاغوت: وهو من أوضح صور شرك الطاعة، حيث يستبدل المرء حكم الله ورسوله بحكم القوانين الوضعية أو حكام الجائرين أو مناهج المخالفة. إن الذهاب للطاغوت (وهو كل من حكم بغير ما أنزل الله) لفض النزاعات أو طلب الحقوق هو إيمان عملي بربوبية ذلك الطاغوت، وقد وصف القرآن من يريدون التحاكم إليه بأنهم يريدون أن يتخذوا الشيطان ولياً، حيث قال تعالى: {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا}(سورة النساء: ٦٠)، فكفر الطاعة هنا هو شرط التوحيد، والتحاكم إليه هو عين الشرك.
ثانياً: شرك الاتباع في “الحلال والحرام”
هذا المحور يتعلق بمصادر التلقي، حيث يُسلب حق التشريع من الله ويُعطى للبشر، ويتجلى في ثلاثة مظاهر:
١. اتخاذ المراجع أرباباً (التقليد في الدين)
عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}(سورة التوبة:٣١)،
أوضح أنهم لم يدعوهم لعبادة أنفسهم، بل: “أحلوا لهم حراماً وحرموا عليهم حلالاً فعبدوهُم من حيث لا يشعرون”. هذا الاتباع للأحبار والمراجع في أحكامهم التي لم تصدر عن المعصوم هو “تربيب” لهم، وتسوية لهم برب العالمين، كما في قوله: {إذ نسويكم برب العالمين}(الشعراء: ٩٨)،
والتي فسرها الإمام الباقر بأنهم أقوام من أمة محمد اقتدوا بمتبوعيهم على شركهم.
٢. التعلم من المخالفين (وصف العدل ومخالفته)
ويقصد به اعتماد المناهج “الأصولية” التي تستقي قواعدها من “النواصب” والمخالفين لآل محمد، وعن هؤلاء يقول الإمام الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: {فكبكبوا فيها هم والغاوون}(الشعراء: ٩٤)، “هم قوم وصفوا عدلاً بألسنتهم ثم خالفوه إلى غيره”. فهم يدعون التمسك بالحق لفظاً، لكنهم يأخذون دينهم من قواعد ومناهج وُضعت لتصادم نص المعصوم.
٣. الهوى الشخصي والاجتهاد بالرأي
وهو النبع المسمومة لشرك الاتباع، حيث يجعل الإنسان من عقله أو ذوقه أو “اجتهاده الظني” مصدراً للحلال والحرام. هذا الاجتهاد بالرأي بعيداً عن النصوص القطعية للثقلين هو استكبار عن أمر الله، واتباع للهوى الذي هو رب يُعبد من دون الله.
ثالثاً: الخاتمة (التدين بغير الحق ومصير الفرق)
إن عاقبة هذا الانحراف في الاتباع هي السقوط في “التدين بغير الحق”، وهو ما حذر منه أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتاب سليم بن قيس بقوله:
«وجميع تلك الفرق الاثنتين والسبعين هم المتدينون بغير الحق، الناصرون لدين الشيطان، الآخذون عن إبليس وأوليائه… وأشركوا بالله وكفروا به وعبدوا غير الله من حيث لا يعلمون، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، يقولون يوم القيامة: (والله ربنا ما كنا مشركين)…».(سليم بن قيس الهلالي ص١٧٠)
إن هؤلاء القوم لم يخرجوا عن مسمى ” التديُن”، لكنهم تدينوا بغير ما أنزل الله، فصار أخذهم عن “المراجع ومناهج الأصولية” عبادة لغير الله، وشركاً صريحاً في الاتباع، وإن ظنوا بجهلهم أنهم موحدون ، فالنجاة محصورة في البراءة من كل مصدر تشريعي سوى الكتاب وعترة النبي (صلى الله عليه وآله).

مارس 6, 2026