حرمة وصف عائشة بأم المؤمنين لثبوت طلاقها على يد علي بن أبي طالب والحسين عليهما السلام

فبراير 13, 2026

الاعتراض على وصف «أم المؤمنين»

إخوتي الكرام، من جملة الاعتراضات والاحتجاجات على الشيعة القول إن عائشة أمٌّ للمؤمنين، وقد اعترضنا على ذلك تكرارًا ومرارًا، وبيّنا أن وصف «أم المؤمنين» ليس فضيلة، وإنما هو خصوصية لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، بل حتى هذا الوصف لا ينطبق على عائشة؛ لأن زوجات النبي اللاتي تمسكن بضوابط الزوجية النبوية لهن أحكام خاصة.

خصوصية أحكام النبي (صلى الله عليه وآله).

رسول الله (صلى الله عليه وآله) له أحكام خاصة؛ فصلاة الليل عندنا مستحبة، لكنها كانت واجبة عليه، والزواج عندنا محدد بأربع، أما هو فكان له أن يتزوج أكثر من أربع لمصلحة الرسالة، وزواج النبي كان لمصلحة الرسالة، والسماء لم تتدخل في زيجات الأنبياء والأوصياء إلا في ثلاث: زواج خديجة برسول الله، وزواج علي بفاطمة، وزواج آدم بحواء.
أما ما يُقال إن جبرائيل جاء بصورة عائشة وأمر النبي بالزواج منها، فهذا من الموضوعات المختلقة، ولا دليل عليه.


بقاء حرمة الزواج بعد وفاة النبي

ز
وجات النبي اللاتي ثبتن على منهج الرسالة لهن حكم خاص، وقد يُسأل: كيف لا يجوز لهن الزواج بعد وفاة رسول الله مع أن العقد ينفك بالموت؟
هذا الحكم يجري في سائر الناس، أما مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فله حكم خاص؛ إذ عبر القرآن عن نسائه بأمهات المؤمنين، أي نُزِّلن منزلة الأمهات في حرمة الزواج بهن في حياته وبعد وفاته، فتبقى الحرمة ثابتة،
وعليه نستنتج أن موت رسول الله لا يرفع حرمة الزواج بهن، بل تبقى هذه الحرمة ثابتة بحكم خاص.


طلاق نساء النبي بيد أمير المؤمنين

إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) جعل طلاق نسائه بيد علي بن أبي طالب صلوات الله تعالى عليه.
في رواية طويلة، أن شخصًا سأل الإمام (عليه السلام) وقال:
«قد خُليت لهنّ السبيل، فلِمَ لا يحلّ لهنّ الأزواج؟ قلت: لأن الله تبارك وتعالى حرّم الأزواج عليهن، قال: وكيف وقد خلّى الموت سبيلهن؟. قلت: فأخبرني يا ابن مولاي عن معنى الطلاق الذي فوّض رسول الله صلى الله عليه وآله حكمه إلى أمير المؤمنين عليه السلام، قال:إن الله تقدّس اسمه عظّم شأن نساء النبي صلى الله عليه وآله، فخصّهن بشرف الأمهات، فقال رسول الله: يا أبا الحسن، إن هذا الشرف باقٍ لهن ما دمنّ على الطاعة، فأيتهن عصت الله بعدي بالخروج عليك فطلّقها في الأزواج وأسقطها من شرف أمومة المؤمنين»
( كمال الدين وتمام النعمة، ص ٤٥٩)،

معنى بقاء الشرف وحدوده

وقد يُقال إن في ذلك إثباتًا للشرف، فنقول: إن مجرد رؤيتها للنبي شرف، فكيف بمن كانت زوجة لأشرف الخلق صلى الله عليه وآله؟ هذا تشريف لها بزيجتها منه، لكنه لا يمنحها قدسية مطلقة؛ لأن الله وضع شروطًا واضحة، فقال:﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء﴾ (سورة الأحزاب: ٣٢)
﴿
وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية﴾(سورة الأحزاب: ٣٣)
فهذه خصوصيات مشروطة بالطاعة والالتزام، ومن خالفت الشروط سقط عنها هذا المقام، إذن الشرف هنا بمعنى التشريف بالانتساب، لا بمعنى العصمة أو القدسية المطلقة، فهي تشرفت بزواجها من النبي، أما الحساب والعقاب والطاعة والعصيان فبحث آخر.

دلالة الرواية على حق الطلاق

في ختام الرواية دلالة على أنه إذا عصت بعده جاز للإمام علي عليه السلام أن يطلقها، فيسقط عنها وصف أمومة المؤمنين، وقد فوّض رسول الله صلى الله عليه وآله إليه هذا الحق.

تفويض رسول الله طلاق نسائه لأمير المؤمنين.

لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله من سفره نزل منزل أم سلمة، فأقام عندها شهرًا لا ينزل منزلًا سواه من منازل أزواجه كما كان يفعل قبل ذلك. فشكت عائشة وحفصة ذلك إلى أبويهما، فقالا لهما: امضيا إليه ولاطفاه في الكلام، فمضت عائشة إليه في منزل أم سلمة، وعنده علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال لها: «ما جاء بك يا حميراء؟ أنكرتُ تخلفك عن منزلك هذه المرة، وإني أعوذ بالله من سخطك يا رسول الله».فقال: «لو كان الأمر كما تقولين لما أظهرتُ سرًا أوصيتك بكتمانه، لقد هلكتِ وأهلكتِ أمةً من الناس».ثم أمر خادمة أم سلمة أن تجمع نساءه، فجمعتهن في منزل أم سلمة، فقال لهن وأشار إلى علي عليه السلام: «هذا أخي ووصيي ووارثي، والقائم فيكن وفي الأمة من بعدي، فأطِعنه فيما يأمركن به، ولا تهلكن بمعصيته».ثم قال: «يا علي، أوصيك بهن، فأمسكهن ما أطعن الله وأطعنَك، وأنفق عليهن من مالك، ومرهن بأمرك، وانههن عما يريبك، وخلِّ سبيلهن إن عصينك». فقال علي عليه السلام: يا رسول الله، إنهن نساء وفيهن الوهن وضعف الرأي

فقال: «ارفُق بهن ما كان الرفق أمثل بهن، فمن عصاك منهن فطلّقها طلاقًا يبرأ الله ورسوله منه»، قال: «وكلُّ نساء النبي قد سكتن فلم يقلن شيئًا، فتكلمت عائشة فقالت: يا رسول الله، ما كنا لتأمرنا بشيء فنخالفه»، فقال لها: «بلى يا حميراء، قد خالفتِ أمري أشدَّ خلاف، وأيمُ الله لتخالفين قولي هذا ولتعصينه بعدي، ولتخرجن من البيت الذي أخلفك فيه متبرجة، قد حفَّ بك فئامٌ من الناس، فتخالفينه ظالمةً له، عاصيةً لربك، ولتنبحك في طريقك كلاب الحوأب، إن ذلك لكائن». ثم قال: «قمن فانصرفن إلى منازلكن» (بحار الأنوار، ج٢٨، ص١٠٦)

بهذا اللحاظ، فوض رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام أمر الطلاق في نسائه بعده.
في احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على القوم في مسألة الخلافة،
حيث قال:«فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أفيكم أحد استخلفه رسول الله صلى الله عليه وآله وجعل طلاق نسائه بيده غيري؟قالوا: اللهم لا»

(الاحتجاج للطبرسي ج١،ص٢٠٠)
إذن طلاق زوجات النبي بيد علي بن أبي طالب عليه السلام.


حوار أمير المؤمنين مع عائشة ونسوتها

«إن عليًا دعا ببغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وأقبل إلى منزل عائشة، فاستأذن ودخل، فإذا عائشة جالسة وحولها نسوة من أهل البصرة يبكين معها فقالت صفية بنت الحارث الثقفية: يا علي فصحن النسوة وقلن: يا قاتل الأحبة، يا مفرق بين الجميع فقال لها علي عليه السلام: أما إني لا ألومك أن تبغضيني، فقد قتلت جدك يوم بدر، وقتلت عمك يوم أحد، وقتلت زوجك الآن، ولو كنت قاتل الأحبة كما تقولين لقتلت من في هذا البيت ومن في هذه الدار» ثم أقبل على عائشة فقال: «ألا تنحين كلابك عني؟ أما إني قد هممت أن أفتح باب هذا البيت فأقتل من فيه، ولولا حبي للعافية لفعلت» فسكتت عائشة وسكتت النسوة ثم جعل يوبخها ويقول: «أمركِ الله أن تقرّي في بيتك وتحتجبي بسترك ولا تتبرجي، فعصيتِ وخضتِ الدماء، تقاتلينني وتحرضين عليَّ الناس، وقد شرفك الله وسماك أم المؤمنين وضرب عليك الحجاب. قومي الآن واختفي في الموضع الذي خلّفك فيه رسول الله صلى الله عليه وآله حتى يأتيك أجلك» فلما كان من الغد بعث إليها الحسن عليه السلام، فقال لها: «يقول لك أمير المؤمنين: لئن لم ترحلي الساعة لأبعثن عليك بما تعلمين»قال: فوثبت من ساعتها وقالت: رحلوني ثم قالت لبعض النسوة: إنما أقلقني أنه ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، فمن أحب أن ينظر إلى رسول الله فلينظر إلى هذا الغلام، وقد بعث إليَّ أبوه بما قد علمت، ولا بد من الرحيل»
(الفتوح لأحمد بن أعثم الكوفي، ج٢، ص٤٨٣)

بغض عائشة للحسن (عليه السلام)

إن الحسين عليه السلام عزم على دفن الحسن مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فمنعت عائشة ذلك وخرجت تؤلب الناس، فلما رأى الحسين ذلك دفنه في البقيع. وروي أن النبي صلى الله عليه وآله جعل طلاق نسائه بعده إلى أمير المؤمنين، وجعله أمير المؤمنين إلى الحسن، وجعله الحسن إلى الحسين، وقال: «إن في نسائي من لا تراني يوم القيامة، وتلك من يطلقها الأوصياء من بعدي»
(موسوعة كلمات الإمام الحسين، ص٢٧٩)

النتيجة

بناءً على هذه الروايات، فإن وصف «أم المؤمنين» مرتبط بالطاعة والالتزام بشروط تلك المنزلة، فإذا وقع الطلاق سقط هذا الوصف.
وعليه، فإن حسن المرأة وقبحها إنما يُعرفان بأفعالها وطاعتها، لا بمجرد كونها زوجة للنبي صلى الله عليه وآله.
وبحسب ما تقدم، فإن الطلاق قد وقع عليها في واقعتين: إحداهما في زمن أمير المؤمنين بواسطة الإمام الحسن، والثانية في زمن الإمام الحسين عند منعه دفن الحسن عليه السلام.
فبهذا اللحاظ يكون سبب القول بحرمة وصف عائشة بأم المؤمنين لثبوت طلاقها على يد أمير المؤمنين والحسين عليهما السلام.

اترك تعليقاً