بسم الله الرحمن الرحيموالحمد لله رب العالمين اللهم صل على محمد وآله الطيبين الطاهرين
قال الصادق من آل محمد عليهم الصلاة و السلام للمفضل سلام الله عليه:
«وفكر يا مفضل – بعد هذا – في أجساد الأنعام فإنها حين خلقت على أبدان الإنس من اللحم والعظم والعصب، أعطيت أيضا السمع والبصر ليبلغ الإنسان حاجته، فإنها لو كانت عميا صما لما انتفع بها الإنسان ولا تصرفت شئ من مآربه، ثم منعت الذهن والعقل لتذل للإنسان، فلا تمتنع عليه، إذا كدها الكد الشديد، وحملها الحمل الثقيل. فإن قال قائل إنه قد يكون للإنسان عبيد من الإنس، يذلون ويذعنون بالكد الشديد، وهم مع ذلك غير عديمي العقل والذهن. فيقال في جواب ذلك أن هذا الصنف من قليل، فأما أكثر الناس فلا يذعنون بما تذعن به الدواب من الحمل والطحن وما أشبه ذلك، ولا يغرون بما يحتاج إليه منه.. ثم لو كان الناس يزاولون مثل هذه الأعمال بأبدانهم لشغلوا بذلك عن سائر الأعمال، لأنه كان يحتاج مكان الجمل الواحد والبغل الواحد إلى عدة أناسي، فكان هذا العمل يستفرغ الناس حتى لا يكون فيهم عنه فضل لشئ من الصناعات مع ما يلحقه من التعب الفادح في أبدانهم والضيق والكد في معاشهم».
(توحيد المفضل – ص123)
يبين الإمام أن الأنعام خُلقت بأجساد تشبه أجساد الإنسان، وأُعطيت السمع والبصر لينتفع بها، لكنها مُنعت العقل لتخضع له ولا تمتنع عن أشق الأعمال وأثقل الأحمال، ولو كانت عمياء أو صماء لما صلحت لمصالحه.
ويردّ على من يقول إن البشر قد يذلون وهم أصحاب عقل، بأن هذا قليل، وأكثر الناس لا يطيقون ما تطيقه الدواب من الأعمال الشاقة ولا يداومون عليها، ولو قام الناس بهذه الأعمال بدل الأنعام لانشغلوا بها عن غيرها، واحتاج العمل إلى أعداد كبيرة منهم، ولأصابهم تعب شديد وضيق في معيشتهم، وتعطلت سائر الصناعات.
هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين و لعن الله المسلمين.
