النظر بعين واحدة … مشكلة الشيعة

يناير 21, 2026

عندما تُبصر العين وتعمى القلوب

إن أشد ما يُبتلى به الإنسان في مسيرته الفكرية والعقائدية ليس الجهل بالمعلومة، بل “نقص الرؤية” أو ما يُعرف بـ النظر بعين واحدة. هذه الحالة ليست مجرد قصور في الإدراك، بل هي انحياز عاطفي عميق يجعل المرء يرى العيوب في مرآة الآخرين، بينما يراها كمالاً أو ضرورات في مرآة ذاته. إن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب “البصيرة”، التي إذا فُقدت، تساوى عند الإنسان المتناقضان، وأصبح يزن الأمور بمكيالين دون أن يشعر بخلل المنطق.

فقد جاء بالقرآن الكريم ذم واضح لهذه المعنى وهي بخس الطرف المقابل والازدواجية بالمعايير، قال تعالى:

{ وَیۡلࣱ لِّلمُطَفِّفِینَ (١) ٱلَّذِینَ إِذَا ٱكۡتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ یَسۡتَوفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ یُخۡسِرُونَ (٣) }

[سُورَةُ المُطَفِّفِينَ: ١-٣]

وعن امير المؤمنين عليه السلام وهو ينصح ابنه الحسن المجتبى عليه السلام: يا بني، اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك فأحب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكرهه لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك وارض من الناس ما ترضاه لهم من نفسك.

(بحار الأنوار – ج٧٢ – ص٢٩)

البصيرة: نورٌ لا يَحجب الشمس

البصيرة هي تلك القوة الداخلية التي تميز بين الحق والباطل بصرف النظر عن الانتماء. فصاحب البصيرة النافذة لا يختلط عليه الأمر؛ فنور الحق واضح جلي لا يحتاج إلى دليل، تماماً كنور الشمس الساطع في رابعة النهار.

ولكن العلة تكمن في القلوب التي تعمى عن رؤية هذا النور، كما قال تعالى: “فَإِنَّهَا لَا تَعمَى ٱلۡأَبۡصَـٰرُوَلَـٰكِن تَعُمَى ٱلقُلُوبُ ٱلَّتِی فِي ٱلصُّدُورِ”. إن هذا العمى القلبي هو الذي يجعل الإنسان يرى “القشة” في عين خصمه، بينما يتجاهل “الخشبة” التي تسد عينيه وتطمس بصيرته.

أولاً: أزمة المعايير في النقد الفقهي في ثنايا الحوارات المذهبية، يبرز مثال جليّ على هذه الرؤية الأحادية؛ حيث يُوجه النقد اللاذع للمخالفين بدعوى أنهم “حرفوا أحكام الله” واعتمدوا على الاجتهاد البشري والآراء الشخصية بعيداً عن النص الأصلي. لكن، وفي الوقت ذاته، يتم غض الطرف عن حقيقة أن المنظومة المرجعية تعج بتناقضات فقهية هائلة؛ حيث يُحلل مرجع ما يحرمه الآخر، وتتغير الأحكام وفق اجتهادات بشرية تُمارس “العبث” ذاته الذي يُنكرونه على غيرهم. هنا تغيب العين الثانية؛ فبينما يُعتبر اجتهاد “الآخر” تحريفاً وضلالاً، يُنظر لاجتهاد “المرجع” على أنه قداسة وتجديد ورحمة، وهذا هو أول مظاهر السقوط في فخ ازدواجية المعايير.

ثانياً: “إيران” والوهم الجيوسياسي تنتقل هذه الرؤية الأحادية من الحيز الفقهي النظري إلى الواقع الميداني الملطخ بالدماء. يرى الشيعي “المؤدلج” في الدولة الإيرانية قلعة للصمود وراية تواجه “الشيطان الأكبر”، وهذه هي العين الوحيدة التي تُريد منه الماكينة الإعلامية أن ينظر من خلالها.

أما العين الأخرى، التي اختار إغلاقها بإرادته، فهي تُبصر حقائق مفجعة لا يمكن حجبها:

تدمير الأوطان: كيف تحولت دول مثل سوريا، لبنان، واليمن إلى ركام وساحات للصراع المفتوح بسبب التدخلات المباشرة، مما خلف مئات الآلاف من الضحايا والملايين من المشردين.

استغلال الشيعة في الخارج: كيف تم الزج بشيعة المنطقة (في البحرين والسعودية والعراق) في أتون صراعات سياسية لخدمة أجندة “تصدير الثورة” الإقليمية، مما جعلهم وقوداً لمعارك أدت إلى تدهور أوضاعهم وتهديد نسيجهم الوطني.

التناقض الأخلاقي: كيف يُمكن لمن يدعي محاربة الظلم العالمي أن يقمع شعبه في الداخل ويعيث فساداً في دول الجوار؟ إن الشيعي الذي يغض الطرف عن مآسي الأبرياء، لا يزال يتوهم أن هذه الدماء هي ثمن “المقاومة”، بينما هي في الحقيقة ثمن النفوذ والسيطرة السياسية.

ثالثاً: تقديس الأشخاص ومحاربة الحق (صناعة الأصنام البشرية)أخطر تجليات “العين الواحدة” تظهر عند العوام حينما يُواجهون بالحقائق الجلية. فعندما يبرز من يكشف فساد المراجع أو انحراف العقائد الشيعية المعاصرة عن منهج محمد وآل محمد الأصيل كما يفعل الإخبارية الجدد في كشفهم لتيارات البترية والمرجئة والمقصرة داخل المذهب، نجد أن الرد لا يكون بالحجة والبرهان، بل بالاتهام الجاهز والمكرر: “العمالة” أو “اسرائيلي”.

لماذا يرفض العوام الحق رغم وضوحه؟ لأن قلوبهم تشربت بحب “الأصنام البشرية”. لقد أصبح المرجع، أو القائد السياسي، في وعيهم هو المعيار المطلق للحق وليس “محمد وآل محمد”. لقد استبدلوا المعصوم بغير المعصوم، فأصبح نقد المرجع أو كشف فساده بمثابة الخروج عن الدين. هذه هي ذروة فقدان البصيرة؛ أن يُحارب الإنسان الحق دفاعاً عن “صنم” بشري، فقط لأن الحقيقة مُرة وتكشف زيف الانتماء الذي اقتات عليه لسنوات.

خاتمة:

الانعتاق من سجن الانحيازإن المشكلة في النظر بعين واحدة هي أنها تمنح الإنسان راحة نفسية زائفة، لكنها تسرق منه إنسانيته وعدالته وميزانه الأخلاقي.

إن الانعتاق من هذا السجن يتطلب شجاعة فكرية تضع الحق فوق الهوى، والمنطق فوق العاطفة، ونهج “آل محمد” فوق كل المراجع والدول. فإذا أراد المرء أن يكون من أهل البصيرة، عليه أن يملك ميزاناً واحداً يزن به نفسه كما يزن به خصمه، وإلا ظل يدور في حلقة مفرغة من التناقضات، متجاهلاً أن الدين جاء لتنوير البصائر وحفظ العقول وتقديس الخالق، لا لتبرير المآسي وتقديس الرموز البشرية. 

اترك تعليقاً