يناير 14, 2026

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين وعجل فرجهم والعن أعدائهم أجمعين

إن جوهر التوحيد عند الأئمة المعصومين عليهم الصلاة والسلام يقوم على التمايز التام بين الخالق والمخلوق، وبين الغني المطلق والفقير المحتاج، وقد شهد التاريخ ظهور فرقة “المفوضة” الذين زعموا أن الله خلق النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة عليهم الصلاة والسلام ثم فوض إليهم خلق العالم، وهو اعتقاد باطل يضرب أصل التوحيد في مقتل.

أولًا:
افتقار المخلوق المطلق للخالق

إن المخلوق، مهما سَمَتْ رتبته وتجلت عظمته كالنبي الأكرم أو الإمام المعصوم، يبقى في جوهره “محتاجًا” ومفتقرًا إلى الله سبحانه في كل آنٍ ولحظة، إن القول بأن لمخلوقٍ قدرةً على الخلق من العدم هو إضفاء لصفة “الألوهية” على غير الله، وهو عين الشرك الذي تبرأ منه الأئمة صراحة.

يبين الصادق عليه الصلاة والسلام هذه الحقيقة في حواره مع كامل التمار،

حيث قال:«يا كامل اجعلوا لنا ربًا نؤوب إليه وقولوا فينا ما شئتم. قال: قلت: نجعل لكم ربًا تؤوبون إليه ونقول فيكم ما شئنا؟ قال: فاستوى جالسًا فقال: ما عسى أن تقولوا؟ والله ما خرج إليكم من علمنا إلا ألف غير معطوفة»

(مختصر بصائر الدرجات – ص٥٩)

و عنه عليه الصلاة والسلام:«في الربوبيّة العظمى والإلهيّة الكبرى: لا يكوّن الشيء لا من شيء إلا الله، ولا ينقُل الشيء من جوهريّته إلى جوهر آخر إلا الله، ولا ينقل الشيء من الوجود إلى العدم إلا الله»

(بحار الأنوار – ج٤ – ص١٤٨)

ثانيًا:
الفارق الجوهري بين خلق الخالق وصنع المخلوق

لا يمكن عقد المقارنة بين صُنْعِ الله سبحانه وصُنْعِ خلقه، لا من حيث الدرجة ولا من حيث القوة؛ ذلك أنَّ صُنْعِ الخالق لا يخضع لقوانين الماهية، كون الصنيعين مختلفين تمامًا، ولا يقاس صنع الخالق بالمخلوق.

قال الهادي من آل محمد عليهم الصلاة والسلام للفتح بن يزيد الجرجاني:« وأنّ كلّ صانع شيءٍ فمن شيءٍ صنع، والله الخالق اللطيف الجليل خلق وصنع لا من شيء»

(توحيد الصدوق – ص٦٣)

ثالثًا:
وسم العجز كدليل على التوحيد

إن من أبلغ الأدلة على توحيد الله وعظمة سلطانه هو “وسم العجز” الذي يُلاحق كل ما سواه، فالمخلوق مهما ارتقى في مدارج العقل أو القوة، يبقى محكومًا بحدود ماهيته وافتقاره الذاتي، هذا العجز ليس نقصًا طارئًا، بل هو صفة ذاتية في المخلوق تثبت قهره تحت كبرياء الخالق

قال الرضا عليه الصلاة والسلام في خطبة التوحيد:«خلق الله الخلق حجابٌ بينه وبينهم، ومباينته إيّاهم مفارقته إنّيتهم، وابتداؤه إيّاهم دليلهم على أن لا ابتداء له، لعجز كلّ مبتدئٍ عن ابتداء غيره»

(توحيد الصدوق – ص٦٣)

وتتجلى هذه الحقيقة في أبهى صورها البلاغية في “خطبة الأشباح” لأمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام حيث يقول:
«وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واخترعها، وكيف ولو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها، وما كان من مراحها وسائمها، واصناف اسناخها واجناسها، ومتبلدة اُممها واكياسها على إحداث بعوضة، ما قدرت على إحداثها، ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها، ولتحيّرت عقولها في علم ذلك وتاهت، وعجزت قواها وتناهت، ورجعت خاسئة حسيرة، عارفة بأنّها مقهورة، مقرّة بالعجز عن إنشائها، مذعنة بالضعف عن إفنائها»

(نهج البلاغة – ج٢ – ص١٢٤)

بالختام:

إن مقام النبي والأئمة عليهم الصلاة والسلام هو مقام العبودية المطلقة لله، وعظمتهم تكمن في أنهم “أكمل عباد الله طاعة”، لا في مشاركتهم لله في ربوبيته، فإذا كان الخلق مجتمعين يعجزون عن خلق “بعوضة”، فكيف ينسب للمخلوق خلق السموات والأرض؟ إن “التفويض” ليس إلا مسخًا لعقيدة التوحيد، وأهل البيت عليهم الصلاة والسلام بريئون منه ومن معتقديه إلى يوم الدين، هذا و الحمد لله رب العالمين ولعن الله المسلمين.

تعليق واحد على "عجز المخلوق أمام قدرة الخالق"

اترك تعليقاً