بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين من أحاديثِ الامام الصادق صلوات الله عليه لتلميذه المُفضل بن عمر رضوانُ الله تعالى عليه
«فكر يا مفضل في هذه الأشياء التي تراها موجودة معدة في العالم من مأرِبهم، فالتُراب للبناء. والحديد للصناعات، والخشب للسُفن وغيرها والحجارة للأرحاء وغيرها، والنحاس للأواني. والذهب والفضة للمعاملة والذخيرة، والحبوب للغذاء، والثمار للتفكه، واللحم للمأكل، والطيب للتلذُذ، والأدوية للتصحح والدواب للحمولة، والحطب للتوقد والرماد للكلس، والرمل للأرض، وكم عسى أن يُحصي المحصي من هذا وشبهه… أرأيت لو أن داخلا دخل دارا، فنظر إلى خزائن مملوءةً من كل ما يحتاج إليهِ الناس، ورأى كل ما فيها مجموعاً معدا لأسباب معروفة أكان يتوهم أن مثل هذا يكون بالإهمال، ومن غير عمد؟
(توحيد المفضل ، ص45)
فكيف يستجيز قائل أن يقول هذا من صنع الطبيعة في العالم، وما أعد فيه من هذه الأشياء.
اعتبر يا مفضل بأشياء خُلقت لمآرب الإنسان، وما فيها من التدبير فإنه خُلق له الحُبُّ لطعامهِ، وكلف طحنه وعجنه وخبزه، وخلق له الوبر لكسوته، فكلف ندفه وغزله ونسجه، وخلق له الشجر، فكلف غرسها وسقيها والقيام عليها وخلقت له العقاقير لأدويته، فكلف لقطها وخلطها وصنعها، وكذلك تجد سائر الأشياء على هذا المثال، فأنظر كيف كفى الخلقة التي لم يكن عنده فيها حيلة. وترك عليه في كل شيءٍ من الأشياء موضع عمل وحركة، لما له في ذلك من الصلاح، لأنه لو كفى كله، حتى لا يكون له في الأشياء موضع شغل وعمل، لما حملته الأرض أشرا وبطرا ولبلغ به ذلك إلى أن يتعاطى أمورا فيها تلف نفسه، ولو كفى كل ما يحتاجون إليه لما تهنأوا بالعيش ولا وجدوا له لذة… ألا ترى لو أن امرءا نزل بقوم، فأقام حينا بلغ جميع ما يحتاج إليه من مطعم ومشرب وخدمة، لتبرم بالفراغ ونازعته نفسه إلى التشاغل بشئ، فكيف لو كان طول عمره مكفيا لا يحتاج إلى شئ؟فكان من صواب التدبير في هذه الأشياء التي خلقت للإنسان: أن جعل له فيها موضع شغل، لكيلا تبرمه البطالة، ولتكفه عن تعاطي ما لا يناله، ولا خير فيه أن ناله»
الإمام يوضح أن كل الأشياء في هذا العالم خُلقت لخدمةِ الإنسانْ وحاجاتهُ، فالتراب للبناء، والحديد للصناعات، والخشب للسفن، والحبوب للطعام، والدواب للحمولة، والذهب والفضة للتعاملات… وهكذا كل شيء له هدف محدد، لكنه يشير إلى حكمة أعمق، وهي أن الله لم يُعطِ الإنسان كل شيء جاهزًا بالكامل، بل جعل له موضعًا للعمل والجهد، مثل طحن الحبوب وخبزها، وغزل الصوف، وزراعة الأشجار، وصناعة العقاقير، ليشغل الإنسان ويكسب لذة العمل ويُحفظ من الفراغ المضر والبطالة، هذه الحكمة تضمن للإنسان رزقه وتطور مهاراته، وتخلق له متعة السعي والأجتهاد، فلا يشعر بالملل أو السأم من الحياة، وتُبعده عن الأمور الضارة التي قد تقع لو كان كل شيء مُتاحًا بلا جُهد.
هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
