بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد واله الطيبين الطاهرين، تعتبر الشهوة من أهم الدوافع الفطرية في النفس البشرية، إذ تدفع الإنسان نحو طلب ما يحتاجه أو يشتهيه، سواء كان طعامًا، مالًا، أو علاقة شرعية. ولأن هذه الشهوات تؤثر في سلوك الإنسان وقراراته، وتبعده عن الله
فعن أمیر المؤمنین (علیه السلام)-« أَبْعَدُ مَا یَکُونُ الْعَبْدُ مِنَ اللَّهِ إِذَا کَانَ هَمُّهُ فَرْجَهُ وَ بَطْنَهُ»
(تفسير نور الثقلين العروسي الحويزي، ج٣ ص ٥٣٠)
فقد أولى الإسلام، واهتم أهل البيت (عليهم السلام) اهتمامًا خاصًا بتوجيهها وضبطها، بحيث أن لا تتحول إلى سبب للفساد أو الانحراف.
والشهوة هي شيء فطري طبيعي موجودة بالإنسان ولولا وجودها لما تزوج الشخص ولا أكل ولا أنجب الاطفال ولا عمل والى آخره…،
ومن أبرز هذه الشهوات:-
1-شهوة المال
تُعد “شهوة المال” من أقوى الشهوات الدافعة في النفس البشرية، إذ تميل النفس بطبعها الى الامتلاك والزيادة، وقد يتحوّل هذا الميل الى اندفاع شديد قد يُفقد الإنسان توازنه الأخلاقي.
يشير الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة إلى خطورة التعلّق بالمال بوصفه شهوة قد تستعبد صاحبها، إذ يقول:
«الدُّنيا دارُ مَمَرٍّ لا دارُ مَقَرٍّ»
(نهج البلاغة، الخطبة 203).
هذا التوصيف يُلفت النظر الى أن المال جزء من زينة الدنيا التي لا ينبغي أن تتجاوز مكانتها كوسيلة، ولا تتحول إلى غاية تسيطر على حياة الإنسان.
وعنه عليه السلام: «حب المال يفسد الأعمال و يقوي الآمال».
(عیون الحکم و المواعظ ج ۱، ص ۲۳۱)
يبين عليه السلام ان الإفراط في حب المال يجعل الإنسان غير قادر على رؤية الحق أو سماعه، لأن شهوة المال تُغطي على الحكمة وتجرّه إلى الأنانية والسلوكيات غير المتوازنة.
روي عن النّبيّ صلَّى اللّٰه عليه و آله و سلم : «وَ مَنْ أَرٰادَ اَلْآخِرَةَ فليترك زينة الحيوة الدنيا».
(تفسير الصافي-الجزء 3-الصفحة 183)
يبين النبي أن نيل الآخرة مقرون بترك زينة الحياة وشهواتها
عن أبي جعفر عليه السلام قال:«ما ذئبان ضاريان في غنم ليس لها راع هذا في أولها و هذا في آخرها بأسرع فيها من حب المال والشرف في دين المؤمن»
(الکافي ج ۲، ص ۳۱۵)
يُبرز التأثير الروحي السلبي لشهوة المال، فهي قد تُبعد الإنسان عن مبادئه، وتجعله يقدم مصالحه المادية على التزاماته الأخلاقية.
أما النبي الاكرم صلى الله عليه واله فقد لخّص جوهر العلاقة الصحيحة مع المال بقوله:
«ليس الغنی عن كثرة العرض ولكن الغنی غنی النفس».
(تحف العقول ج1، ص57).
ليؤكد أن مشكلة الإنسان ليست في مقدار ما يملك، بل في مقدار ما تشتهيه نفسه؛ فالنفس غير القنوعة لن تشبع ولو ملكت الدنيا.
إن مجموع هذه الروايات تؤكد أن شهوة المال ليست مذمومة بذاتها؛ فهي جزء من فطرة الإنسان. ولكن الخطر يكمن في انفلاتها وتحولها إلى سيطرة على الإنسان. وقد وضع أهل البيت منهجًا واضحًا لضبط هذه الشهوة:
-القناعة.
-الزهد المتوازن.
-الرضا بما قسم الله.
-استخدام المال في الخير.
-عدم التعلق الذي يفسد القلب.
وبذلك تتوازن علاقة الإنسان بالمال، فيستفيد منه دون أن يقع في أسر شهوته، الا وهي رغبة الإنسان في امتلاك الثروات والموارد؛ وجودها طبيعي لأنها تدفع الإنسان للعمل والاجتهاد، لكنها قد تتحوّل إلى طمع إذا فقدت ضوابطها.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الشهوات: “إن الله ركب في الملائكة عقلاً بلا شهوة، وركب في البهائم شهوة بلا عقل، وركب في بني آدم كليهما. فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم”.
(علل الشرائع ج ١، ص٤)
و أيضاً
عن ابي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: مَنْ سَلِمَ مِنْ أُمَّتِي مِنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ فَلَهُ الْجَنَّةُ: عَنِ الدُّخُولِ فِي الدُّنْيَا وَ اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَ شَهْوَةِ الْبَطْنِ، وَ شَهْوَةِ الْفَرْجِ.
(الخصال للصدوق، ص 223)
وقد حذر الرسول الأكرم من الشهوات، مثل شهوة الطعام والشهوات الجنسية، أو شهوات المال
2- الإفراط في الطعام (شهوة الطعام)
«عن الإمام الصادق (عليه السلام): ليس شئ أضر لقلب المؤمن من كثرة الأكل، وهي مورثة لشيئين: قسوة القلب، وهيجان الشهوة»
(ميزان الحكمة ج1، ص88)
أن الإفراط في الأكل (البِطنة) لا يؤدي فقط إلى أمراض جسدية مثل الخمول والسمنة وضعف المناعة، بل حتى له آثار روحية أيضًا. فامتلاء البطن باستمرار يجعل الإنسان مشغولًا براحة الجسد، مما يقلّل إحساسه الروحي ويُضعف رقّة القلب.
فالمعنى: كثرة الأكل تؤذي الجسد والروح معًا.
وأيضاً عنه (صلوات الله وسلامه عليه):”ما مِن شيءٍ أبغض إلى الله من بطنٍ مملوء”
(الكافي، ج 6، ص 270)
يبين الإمام أن الله يكره الإفراط والتخمة لأنها تجرّ الإنسان إلى الكسل، وتجعله بعيدًا عن التواضع واليقظة الروحية، فليس المقصود الطعام نفسه، بل حالة امتلاء البطن الدائم التي تدل على عدم ضبط النفس، فالإنسان الذي يسيطر على شهوة الأكل يُظهر انضباطًا وقربًا من الله.
عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله):”مَن قَلَ طَعَامه صَحَ بَدَنه وصفا قلبه ومن كثر طعمه سقم بدنه و قسا قلبه “
(تنبيه الخواطر و نزهة النواظر ج ۲، ص ۲۲۹)
يحدد الإمام علي قاعدة ذهبية:
قلة الطعام → صحة البدن
قلة الطعام → صفاء القلب
والمقصود ليس الجوع المؤذي، بل الاعتدال، فحين يأكل الإنسان بقدر حاجته، يتحسن جسمه وتنشط روحه، ويصفو قلبه من ثِقَل الشهوات ومن الضبابية التي تسببها التخمة، الحديث يجمع بين حكمة صحية ونور روحي.
«وَ عَنْهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ كَثُرَ طَعْمُهُ سَقِمَ بَدَنُهُ وَ قَسَا قَلْبُهُ»
(مستدرك الوسائل,الجزء 12,الصفحة 94)
يحذر الإمام من كثرة الأكل لأنها:
مفسدة للجسد: تضعفه، وتُبطئ الهضم، وتزيد الدهون والأمراض.
مورِثة للسقم: أي سبب مباشر للمرض.
هنا نرى نظرة طبية متقدمة جدًّا، تؤكد أن الصحة تبدأ من الطعام، وأن الشهوة المنفلتة في الأكل تقود إلى الأمراض.
عن الإمام الصادق (ع):
“الشِبَع يثقل النفسَ عن الطاعة”( مستدرک الوسائل ج ١٢، ص ٩٤)
يركّز الحديث على أثر الشبع الزائد على العبادة.
فحين يمتلئ البطن، يشعر الإنسان:
بالكسل
بثقل الحركة
وقلة الرغبة في الصلاة والدعاء
وربما النوم الطويل
هذا يبين أن التخمة تُضعف الطاقة الروحية، بينما الاعتدال يُنشّطها.
عن الامام الصادق(عليه السلام)
«وَ لَيْسَ شَيْءٌ أَضَرَّ لِقَلْبِ اَلْمُؤْمِنِ مِنْ كَثْرَةِ اَلْأَكْلِ وَ هِيَ مُورِثَةٌ لِشَيْئَيْنِ قَسْوَةِ اَلْقَلْبِ وَ هَيَجَانِ اَلشَّهْوَةِ وَ قَالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ مَا مَرِضَ قَلْبٌ بِأَشَدَّ مِنَ اَلْقَسْوَةِ. وَ فِيهِ: وَ [كَثْرَةُ] اَلنَّوْمِ يَتَوَلَّدُ مِنْ كَثْرَةِ اَلشُّرْبِ وَ كَثْرَةُ اَلشُّرْبِ يَتَوَلَّدُ مِنْ كَثْرَةِ اَلشِّبَعِ وَ هُمَا يُثَقِّلاَنِ اَلنَّفْسَ عَنِ اَلطَّاعَةِ وَ يُقْسِيَانِ اَلْقَلْبَ عَنِ اَلتَّفَكُّرِ وَ اَلْخُشُوعِ»( مستدرک الوسائل ج ١٢، ص ٩٤)
يجمع الحديث بين الآثار:
يقسي القلب: لأن كثرة الشهوات تُطفئ نور الإحساس بالله.
يورث الكسل عن العبادة: التخمة عدوة النشاط الروحي.
وهذا يوافق جميع نصوص أهل البيت، حيث يظهر أن ضبط شهوة الطعام شرطٌ أساسي لصحة الجسد ورقّة القلب واستقامة العبادة.
الشهوة الجنسية (من الزنا و الخضخضة)
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَالَذِينَ هم لِفروجِهِم حَافِظونَ إِلَا عَلَى أَزوَاجِهِم أَو مَا مَلَكَت أَيمَانهم فَإِنَهم غَير مَلومِينَ فَمَنِ ابتَغَى وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأو۟لَـٰئِكَ هم العَادونَ﴾
(سورة المؤمنون)
صدق الله العلي العظيم
تفسير أهل البيت عليهم السلام:
حفظ الفروج:
المراد بالمؤمنين أنهم يحافظون على عفة أنفسهم ويبتعدون عن كل علاقة محرمة خارج الزواج الشرعي.
الإمام علي عليه السلام قال: “العفة تاج المكارم”
(ميزان الحكمة ).
الحفاظ على الفروج يحمي القلب والروح من الفساد والانحراف.
عن أبي عبد الله (عليه السلام) – في حديث – قال: «و فرض الله علی البصر أن لا ينظر إلی ما حرم الله عليه، و أن يعرض عما نهی الله عنه مما لا يحل له، و هو عمله، و هو من الإيمان، قال الله تبارك و تعالی: قل للمومنين يغضوا من أبصارهم و يحفظوا فروجهم فنهاهم أن ينظروا إلی عوراتهم، و أن ينظر المرء إلی فرج أخيه، و يحفظ فرجه أن ينظر إليه، و قال: و قل للمومنات يغضضن من أبصارهن و يحفظن فروجهن من أن تنظر إحداهن إلی فرج أختها، و تحفظ فرجها من أن ينظر إليها – و قال – كل شيء في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزنا، إلا هذه الآيه، فإنها من النظر»
[الکافی ج٣، ص٩٤]
الاستثناء المباح:
الآية تستثني الزوجة وما ملكت الأيمان، أي العلاقات المباحة شرعًا مثل الزواج والجارية. هذا يوضح أن الشهوة مقبولة في الإطار الشرعي وليست محرمة.
من تجاوز الحدود:
“فمن ابتغى وراء ذلك” أي من ارتكب الزنا أو الفواحش خارج الإطار الشرعي.
نصائح للتخلص من الشهوات:
- ابتعد عن المثيرات الجنسية (صور، فيديوهات، مواقع):
- قلل الوقت المخصص لمفردك في غرف مغلقة.
- اجعل جهازك الإلكتروني في وضع مراقب أو محتوى محجوب.
- شغل وقتك بأنشطة مفيدة:
- مارس رياضة يومية: المشي، الجري، أو تمارين القوة.
- انشغل بالعلم، والعمل، والهوايات، والتطوع.
- ضبط النوم والنظام اليومي:
- معظم حالات العادة السرية تحدث ليلاً، حاول النوم مبكراً.
4.التحكم في التفكير - لا تسمح للأفكار الجنسية بالاستمرار، وغير نشاطك فوراً.
نسأل الله أن يهدينا ويثبت أقدامكم على نصرة قائم آل محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
