بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ والصَّلاةُ والسَّلامُ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ واللَّعْنَةُ الدّائمةُ على أعْدائهم أجمعينَ مِنَ الجِنَّةِ والنَّاسِ أجمعينَ
المَعاصي هي الحاجزُ الأكبرُ بينَ العبدِ وربِّه وهي السَّبَبُ الرَّئيسيُّ لٱنحراف ِ الإنسانِ وضَياعِ سَعادتِه في الدُّنيا والآخرة، وقد وردت في الروايات الشريفة التحذير من الذنوب صغيرها وكبيرها، وتبين آثارها الموحشة على القلب والروح.
وَرَدَ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ (عليهِ السلامُ) قالَ:- «إذا عَظَّمْتَ الذَّنْبَ فَقَدْ عَظَّمْتَ اللهَ وإذا صَغَّرتَهُ فَقَدْ صَغَّرْتَ اللهَ لأنَّ حَقَّهُ في الصَّغيرِ والكَبيرِ وما من ذَنْبٍ عَظيمٍ عَظَّمْتَهُ إلا صَغُرَ عندَ اللهِ تَعالى ولا مِنْ صَغيرٍ صَغَّرتَهُ إلا عَظُمَ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ.»
(الجعفريات ج ۱، ص ۲۳۷)
وعن النَّبيِّ الأكرمِ (صَلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ) قال لأبي ذَرٍّ «يا أبا ذَرٍّ لا تَنْظُرْ إلى صِغَرِ الخَطَيئةِ ولكنْ انظرْ إلى مَنْ عَصَيْتَ.»
(مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل ج ۱۱، ص ۳۲۹)
فإذا فَسَدَ القَلْبُ بالتَقَلُّبِ بالشَهَواتِ فَسَدَتْ الرُّوحُ وإذا فَسَدَتْ الرُّوحُ فَسَدَ البَدَنُ وتَسَمَّمَ التَفْكيرُ وبَطَبيعةِ الحالِ وعلى كَثْرةِ التَحْذيرِ من الوُقوعِ في المَعاصي والتَفَكُّرِ فِيهنَّ إلا أنَّ الإنسانَ ليس معصوماً وإنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَعْلَمُ بأنَّ عِبادَهُ خَطَّائينَ وتَزِلُّ أقدامُهم لذلكَ جَعَلَ بابَ التوبةِ مفتوحاً ورَحْمَتَهُ مَنْشورةً إلى يَومِ الوقتِ المَعْلومِ فمِنْ نَفَحاتِ رَحْمَتِه تَبارَك وتعالى
عن فضلِ ابنِ عُثْمانَ المُراديِّ قال: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ (عليهِ السلامُ) يقولُ:«قالَ رسولُ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ): أربعٌ مَنْ كُنَّ فيهِ لم يَهْلِكْ على اللهِ بَعْدَهُنَّ إلّا هالكٌ يَهِمُّ العبدُ بالحَسَنَةِ فَيَعْمَلُها فإن هولمْ يَعْمَلْها كَتَبَ اللهُ لهُ حَسَنَةً بحُسْنِ نيَّتِه وإن هو عَمِلَها كَتَبَ اللهُ لهُ عشراً، ويَهِمُّ بالسَّيِّئَةِ أن يعمَلَها فإنْ لم يَعْمَلْها لم يُكْتَبْ عليهِ شيءٌ وإنْ هوَ عَمِلَها أُجِّلَ سبعَ ساعاتٍ وقالَ صاحبُ الحَسَناتِ لصاحبِ السَّيِّئاتِ وهو صاحبُ الشِّمالِ: لا تَعْجَلْ عسى أن يُتْبِعَها بِحَسَنَةٍ تَمْحوها، فإن الله عزَّ وجلَّ يقولُ: ” إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ أو الٱستغفارِ فإنْ هو قالَ: أستغفرُ اللهَ الذي لا إلهَ إلا هو، عالم الغيب والشهادة، العزيز الحكيم، الغَفورِ الرَّحيمِ، ذو الجلالِ والإكرامِ وأتوبُ إليه ِِ، لم يُكْتَبْ عليهِ شيءٌ وإن مضتْ سبعُ ساعاتٍ ولم يُتْبِعْها بحَسَنَةٍ وٱستغفارٍ قالَ صاحبُ الحَسَناتِ لصاحبِ السَّيِّئاتِ: اكْتُبْ على الشَّقيِّ المَحْرومِ.»
(الکافي ج ۲، ص ٤٢٩)
لذا حَثَّنا دينُنا الإسلاميُّ بالٱبتعادِ عن المَعاصي لٱبتغاءِ مَرْضاةِ اللهِ ولكيْ لا يَفْسُدَ القلبُ إذ بِفَسادِ القلبِ تَفْسُدُ الرُّوحَ والبَدَنَ وتُفْسِدُ الأفكار وَيَضيعُ الإنسانُ في بحرِ شهواتِهِ ويَرى أنَّ الذَّنْبَ كشِرْبَةِ ماءٍ يَسْتَسْهِلُهُ ولا يَسْتَصْعِبُهُ ولا يُحاولُ أن يبتعدَ عنهُ.
ومن الشائعاتِ في زمانِنا هذا هو أنَّ الرجلُ يذنبُ الذنبَ فيفتخرُ بينَه وبينَ نفسِهِ أنَّ لهُ ذَنْبٌ واحدٌ وليسَ لهُ عِدَّةُ ذنوبٍ وهذا ما نَهى عنهُ الإمامُ ولا يُغفَرُ لقائلهِ
عن أبي أُسامةَ زيدٍ الشَحَّامِ قالَ: قالَ أبوعبدِاللهِ (عليهِ السلامُ):« اتَّقوا المُحقَّراتِ من الذُّنوب فإنَّها لا تُغفر “قلتُ: وما المُحقِّراتُ؟ قال (عليهِ السلامُ):” الرجلُ يذنبُ الذنبَ فيقولُ: طوبى لي لو لم يكنْ لي غيرُ ذلكَ»
(الکافي ج ۲، ص ۲۸۷)
وعن سُماعةَ قال: سمعتُ أبا الحسنِ (عليهِ السلامُ) يقولُ:« لا تستكثروا كثيرَ الخيرِ ولا تستقلُّوا قليلَ الذُّنوبِ، فإنَّ قليلَ الذُّنوبِ يجتمعُ حتى يكونَ كثيراً وخافوا اللهَ في السرِّ حتى تُعطوا من أنفسِكم النَّصْفَ»
(الکافي ج ۲، ص ٤٥٧)
عن زيادٍ قالَ: قال أبوعبدِاللهِ (عليهِ السلامُ):
(الکافي ج ۲، ص ۲۸۸)
« إنَّ رسولَ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآلِه) نزلَ بأرضٍ قَرعاءَ (4) فقالَ لأصحابِه: أئتوا بحطبٍ فقالوا: يا رسولَ اللهِ نحنُ بأرْضٍ قَرعاءَ ما بها من حَطبٍ قالَ: فليأتِ كلُّ إنسانٍ بما قَدَرَ عليه فجاؤوا به حتى رموا بين يديه، بعضه على بعض، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :” هكذا تجتمعُ الذُّنوبُ ” » ثم قال (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ)« إيّاكم والمُحقَّراتِ من الذُّنوبِ، فإنَّ لكلِّ شيءٍ طالباً، ألا وإنَّ طالبَها يكتبُ ما قدَّموا وآثارَهم وكلُّ شيءٍ أحصيناهُ في إمامٍ مُبينٍ »
وقد حذَّرنا الإمامُ أرواحُنا له الفِداءُ من الذنوبِ في الخَلَواتِ أيْ فيما بينَك وبينَ نفسِك والسَّبَبُ لأنَّ الشّاهدَ على ذنبِك هو الحاكمُ عليك
قال الإمامُ عليٌّ ( عليهِ السلامُ ) :
(بحار الأنوار، ج ۷۰، ص ۳٦٤)
«ٱتقوا معاصيَ اللهِ في الخَلَواتِ ، فإنَّ الشاهدَ هو الحاكمُ»
فَعجباً عَجَباً لمَنْ يَحتمي من الطَّعامِ مخافةَ الدّاءِ ولم يَحتمي من الذُّنوبِ مخافةَ النارِ
قال الإمامُ الباقرُ ( عليهِ السلامُ ) :
(تنبيه الخواطر و نزهة النواظر (مجموعة ورّام) ج ۲، ص ۲٤٣)
«عَجَباً لمن يحتمي من الطعام مخافة الداء كيف لا يحتمي من الذنوب مخافة النار !»
نسألُ اللهَ تعالى أن يَمُنَّ علينا بالطاعةِ وأن لا نستصغرَ المعصيةَ كبيرةً أو صغيرةً و أن نكونَ سَبّاقين للخيرِ ومرضاة الله عز وجل هذا وآخر دعوانا أن الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ وصلّى اللهُ على مُحمدٍ وآلِهِ الطيبينَ
