أكتوبر 26, 2025

يُعدّ مصطلح الكفر من المصطلحات المحورية في العقيدة الإسلامية، ويشير في جوهره إلى معنى التغطية أو الجحود، وقد جاء في الحديث الشريف المروي عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) تفصيل دقيق لوجوه الكفر في القرآن الكريم، حيث قسَّمها إلى خمسة أوجه رئيسية، لا تقتصر على الجحود العقائدي فحسب، بل تمتد لتشمل الجوانب التشريعية والعملية.

الأوجه الخمسة للكفر وتفصيلها –

جاء في الحديث المبارك:

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ عَنِ اَلْقَاسِمِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو اَلزُّبَيْرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَالَ: {{ قُلْتُ لَهُ أَخْبِرْنِي عَنْ وُجُوهِ اَلْكُفْرِ فِي كِتَابِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ اَلْكُفْرُ فِي كِتَابِ اَللَّهِ عَلَی‌ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ فَمِنْهَا كُفْرُ اَلْجُحُودِ وَ اَلْجُحُودُ عَلَی‌ وَجْهَيْنِ وَ اَلْكُفْرُ بِتَرْكِ مَا أَمَرَ اَللَّهُ وَ كُفْرُ اَلْبَرَاءَةِ وَ كُفْرُ اَلنِّعَمِ فَأَمَّا كُفْرُ اَلْجُحُودِ فَهُوَ اَلْجُحُودُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ هُوَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ لاَ رَبَّ وَ لاَ جَنَّةَ وَ لاَ نَارَ وَ هُوَ قَوْلُ صِنْفَيْنِ مِنَ اَلزَّنَادِقَةِ يُقَالُ لَهُمُ اَلدَّهْرِيَّةُ وَ هُمُ اَلَّذِينَ يَقُولُونَ «وَ مٰا يُهْلِكُنٰا إِلاَّ اَلدَّهْرُ » وَ هُوَ دِينٌ وَضَعُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ بِالاِسْتِحْسَانِ عَلَی‌ غَيْرِ تَثَبُّتٍ مِنْهُمْ وَ لاَ تَحْقِيقٍ لِشَيْءٍ مِمَّا يَقُولُونَ قَالَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: «إِنْ هُمْ إِلاّٰ يَظُنُّونَ » أَنَّ ذَلِكَ كَمَا يَقُولُونَ وَ قَالَ: «إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاٰ يُؤْمِنُونَ » يَعْنِي بِتَوْحِيدِ اَللَّهِ تَعَالَی‌ فَهَذَا أَحَدُ وُجُوهِ اَلْكُفْرِ وَ أَمَّا اَلْوَجْهُ اَلْآخَرُ مِنَ اَلْجُحُودِ عَلَی‌ مَعْرِفَةٍ وَ هُوَ أَنْ يَجْحَدَ اَلْجَاحِدُ وَ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ حَقٌّ قَدِ اِسْتَقَرَّ عِنْدَهُ وَ قَدْ قَالَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: «وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اِسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا » وَ قَالَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: «وَ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَی‌ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّٰا جٰاءَهُمْ مٰا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اَللّٰهِ عَلَی‌ اَلْكٰافِرِينَ » فَهَذَا تَفْسِيرُ وَجْهَيِ اَلْجُحُودِ وَ اَلْوَجْهُ اَلثَّالِثُ مِنَ اَلْكُفْرِ كُفْرُ اَلنِّعَمِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَی‌ يَحْكِي قَوْلَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ «هٰذٰا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّمٰا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ » وَ قَالَ «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذٰابِي لَشَدِيدٌ » وَ قَالَ «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اُشْكُرُوا لِي وَ لاٰ تَكْفُرُونِ » وَ اَلْوَجْهُ اَلرَّابِعُ مِنَ اَلْكُفْرِ تَرْكُ مَا أَمَرَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ وَ هُوَ قَوْلُ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ «وَ إِذْ أَخَذْنٰا مِيثٰاقَكُمْ لاٰ تَسْفِكُونَ دِمٰاءَكُمْ وَ لاٰ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيٰارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ `ثُمَّ أَنْتُمْ هٰؤُلاٰءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيٰارِهِمْ تَظٰاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوٰانِ وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسٰاری‌ٰ تُفٰادُوهُمْ وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرٰاجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ اَلْكِتٰابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمٰا جَزٰاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنْكُمْ » فَكَفَّرَهُمْ بِتَرْكِ مَا أَمَرَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ وَ نَسَبَهُمْ إِلَی‌ اَلْإِيمَانِ وَ لَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُمْ وَ لَمْ يَنْفَعْهُمْ عِنْدَهُ فَقَالَ «فَمٰا جَزٰاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنْكُمْ إِلاّٰ خِزْيٌ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ يُرَدُّونَ إِلی‌ٰ أَشَدِّ اَلْعَذٰابِ وَ مَا اَللّٰهُ بِغٰافِلٍ عَمّٰا تَعْمَلُونَ » وَ اَلْوَجْهُ اَلْخَامِسُ مِنَ اَلْكُفْرِ كُفْرُ اَلْبَرَاءَةِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَحْكِي قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ : «كَفَرْنٰا بِكُمْ وَ بَدٰا بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمُ اَلْعَدٰاوَةُ وَ اَلْبَغْضٰاءُ أَبَداً حَتّٰی‌ تُؤْمِنُوا بِاللّٰهِ وَحْدَهُ » يَعْنِي تَبَرَّأْنَا مِنْكُمْ وَ قَالَ يَذْكُرُ إِبْلِيسَ وَ تَبْرِئَتَهُ مِنْ أَوْلِيَائِهِ مِنَ اَلْإِنْسِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ «إِنِّي كَفَرْتُ بِمٰا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ » وَ قَالَ «إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ أَوْثٰاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا ثُمَّ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً » يَعْنِي يَتَبَرَّأُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ. }}

الكافي المقدس- ج٢ – الصفحة٣٨٩

حدد الحديث الشريف خمسة أوجه للكفر، وهي:

  1. كفر الجحود (الجحود بالربوبية)
    هذا الوجه هو أوضح أنواع الكفر، ويتجسد في الإلحاد وهو الإنكار التام لوجود الخالق واليوم الآخر.
    ● الشرح: هو جحود بالربوبية المطلقة، ويعني قول من ينكر وجود رب، وجنة، ونار. ومثّل الحديث لذلك بـ الدهرية الذين ينسبون الهلاك إلى الدهر وينكرون الحساب، قائلين: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾.
    سورة الجاثية آية 24
  2. كفر الجحود (الجحود على معرفة)
    هذا الوجه هو جحود مقترن باليقين الداخلي، ويُعدّ شكلاً من أشكال العناد والاستكبار، ومثاله من كان على أمرنا ثم ارتد سعياً خلف هواه ورأيه.
    ● الشرح: هو أن يجحد الحق الجاحد وهو يَعلمُ أن الأمر حق وقد استقر لديه. الكافر هنا ينكر عن علم وبصيرة ظلمًا وعلوًا، كحال من عرف نبوة الرسل ثم كفر بها عناداً. وشاهد ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.
    سورة النمل آية 14
  3. كفر النعم
    هذا الوجه يتعلق بالجانب السلوكي والأخلاقي، وهو يقابل الشكر.
    ● الشرح: هو عدم الإقرار بفضل الله وعطائه، أو عدم استخدام النعمة فيما يرضي المنعم. وشاهد ذلك في قصة سليمان عليه السلام حين قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾. سورة النمل – 40
    ويؤكد الله تعالى على خطورة هذا الكفر بقوله: ﴿وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾.
    سورة ابراهيم آية 7
  4. كفر ترك ما أمر الله به
    هذا الوجه يُصنَّف ككفر تشريعي عملي، يركز على الالتزام بالأحكام، ويُعرف بـ الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه، ومنه الاجتهاد في تشريع ما لم يشرعه الله وأمر الناس به.
    ● الشرح: هو ترك العمل بأمر من أوامر الله عز وجل، رغم الإقرار بوجوبه. وهو يمثل الازدواجية الانتقائية في تطبيق الدين، كحال من يلتزم ببعض الأحكام (كافتداء الأسير) ويخالف بعضها (كسفك الدماء). الآية المستشهد بها هي: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. سورة البقرة – 87
    وهذا الفعل يؤدي إلى الخزي في الدنيا وأشد العذاب في الآخرة.
  5. كفر البراءة
    هذا الوجه هو نوع من الكفر الإيجابي الذي يدل على النفي والتبري، ولا يعني الكفر المذموم الذي يخرج من الملة، ومثاله الرفض لتولي أبي بكر وعمر وغيرهم من الظلمة.
    ● الشرح: هو التبري من الشرك والمشركين، ومن كل ما يُعبد من دون الله. وفي هذا السياق، جاءت كلمة “الكفر” بمعنى التبرؤ والعداوة. وشاهده قول إبراهيم عليه السلام لقومه: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾.
    سورة الممتحنة آية 4

الخلاصة :

يُظهر هذا التصنيف أن مفهوم الكفر في المنظور الإسلامي شامل ومتعدد الأبعاد، حيث يشمل:

  1. كفر الجحود الاعتقادي: إنكار الربوبية أو الحق المعرّف يقيناً.
  2. كفر النعم السلوكي: عدم شكر المنعم.
  3. كفر ترك الأوامر التشريعي: الازدواجية في الالتزام بأحكام الشريعة.
  4. كفر البراءة التعبيري: التبري من الشرك والمشركين.

هذا التفصيل يوضح سعة دلالة مصطلح “الكفر” في القرآن الكريم، وأن حكم الكفر لا يقتصر على الإنكار العقائدي بل يشمل الانحرافات الكبرى في العمل والالتزام.

اترك تعليقاً