بسم الله الرّحمن الرّحيم
القول مني في جميع الأشياء قول آل محمد، فيما أسروا وما أعلنوا وفيما بلغني عنهم وفيما لم يبلغني …
بعد أن مَنّ علينا الله عزّوجل بمعرفة منهج الأخباريين (وهو منهج إتِّباعُ أخبار الأئمة ” عليهم السلام ” لا غير)، وتعمّقنا في قراءة الأخبار وفهمها وتمييز الحاكم منها من المحكوم والناسخ من المنسوخ والى آخره، وجدنا أنّ النصوص التي وردت عنهم (عليهم السلام) تخالف كثيرًا من المسائل التي قد اعتقدنا بها وراثة {تقليدًا لمدّعي الفقاهة}، من بين المسائل التي كنّا نتسامح فيها على الرغم إن فطرتنا لا تميل الى قبولها (بسبب مشكلة التقليد) هي مسألة ” التلقيح الصّناعي ”
فما هو التَّلقيح الصِناعي؟
والجواب عليه: التلقيح الصناعي هي عملية طبيّة تُجرى لغرض تخصيب نطفة الرّجل ببويضة المرأة، ويكون ذلك التخصيب إما مباشرة في رحم المرأة نفسها، او خارج رحم تلك المرأة (مثل التخصيب في أنابيب داخل المختبرات الطبّية او أطباق خاصة)، وتُجرى هذه العملية بسبب مشاكل صحية لدى المتزوجين (كمشكلة العُقم).
طيب، أين الإشكال في هذه العملية وهي مستلزمة لنفع الناس وتحقيق أحلامهم بعد انقطاع الآمال من حصول الحمل؟
والجواب على هذا: الإشكال ليس بالضرورة في هذه الصّورة بنفسها، الإشكال الاصلي بصور اخرى متعلّق بهذه العملية سنناقشها ان شاء الله في هذا البحث.
صور التلقيح الصناعي التي هي محلّ اعتراض لدينا هي:
الصورة الأولى: تلقيح نطفة رجل أجنبي مباشرة ببويضة امرأة متزوجة من غيره بصورة داخلية (اي زرعها في رحمها مباشرة)
ماذا يعني هذا الكلام؟
ج: هذا الكلام معني به مثلًا أن امرأة لا يحصل لديها حمل (وأصل المشكلة من زوجها لا منها)، فنأتي بنطفة رجل أجنبي (غير زوجها) ونزرعها مباشرة في رحمها، ثم بعد هذا يصبح الحمل وبعده الإنجاب.
من قال بحلّية هذا الكلام ؟
ج: قرأت فتوى عجيبة للخامنئي, سأله احد مقلديه بهذا السؤال
{هل يجوز تلقيح زوجة الرجل الذي لا ينجب بنطفة رجل أجنبي عن طريق وضع النطفة في رحمها؟}
فأجابه الخامنئي قائلًا: {لا مانع شرعا من تلقيح المرأة بنطفة رجل أجنبي في نفسه، ولكن يجب الاجتناب عن المقدمات المحرمة من قبيل النظر واللمس الحرام وغيرهما، وعلى أي حال فإذا تولد طفل عن هذه الطريقة، فلا يلحق بالزوج بل يلحق بصاحب النطفة وبالمرأة صاحبة الرحم والبويضة، ولكن ينبغي في هذه الموارد مراعاة الاحتياط في مسائل الإرث ونشر الحرمة}(أجوبة الإستفتاءات، جزء ٢ ، صفحة ٧١ ، السؤال ١٩٤)
والرجل الاجنبي = الرجل الغريب
ويعني كلامه انه اذا كان هنالك رجل تزوج بإمراة ولا يحصل عند إمرأته حمل بسبب مشاكل في (حيواناته المنوية) كالنقص او الضعف فيها، فيحلل الخامنئي طريقة لحصول الحمل عند هذه العائلة عن طريق أخذ نطفة من رجل غريب وزرعها في رحم تلك المرأة بصورة مباشرة !!!!
وإذا جاء ذلك الطفل الى الدنيا بعد نجاح ذلك الحمل، فهو يُنسب الى صاحب النطفة
(وهو الرجل الغريب) !!!
وبهذه الطريقة حصلنا على نغلٍ شرعي بموافقة ما يسمى لدينا باللهجة العراقية ” الگرن ” وهو ( الزّوج ) الذي لم يكن له نصيبٌ في هذا الطفل.
وبعد حصول الإنجاب يأتي الى إمرأته الضيوف ( الخطّار ) ليباركوا لها ويقولون لها بلهجة واضحة:
مُبارك لكِ قد أنجبتِ نغلًا شرعيًا بموافقة السيد القائد الولي الفقيه (السيد الخامنئي ادامه الله)…
الصورة الثانية وهي التي عند السيد السيستاني:
السيد السيستاني لا يحلّل هذه الصورة من التلقيح الصناعي، وأنما يحلل صورة اخرى مشابهة لهذه الصورة والنتيجة منها ايضًا
(انجاب نغلًا بطريقة شرعية).
كيف يعني؟
ج: السيد السيستاني يحرّم زرع النطفة للرجل الغريب في الرحم مباشرة، وانما يحلل تلقيح بويضة المرأة بنطفة الرجل الغريب في المختبر، ومن ثم يوضع تحت ظروف خاصة في اطباق طبيّة خاصة حتى يصل الى مرحلة البويضة المخصبة، فحين وصوله الى مرحلة البويضة المخصبة يُعاد الى رحم المرأة ومن ثم يحصل الحمل والإنجاب…
ما هو الدليل على هذا الإدعاء الذي قلته انا؟
ج: ذُكِر في موقعه الرّسمي في جانب (الاستفتاءات المتعلّقة بالتلقيح الصناعي) هذا السؤال.
السؤال: هل يجوز تلقيح المرأة بالحويمن المستخرج من ماء رجل أجنبي؟ وما هو الفرق بينه وبين البويضة المخصّبة حيث ذكرتم جواز نقلها إلى رحم إمرأة أجنبيّة؟
جواب السيستاني: إدخال نطفة الرجل الأجنبي في رحم المرأة حرام، سواء أكان ذلك بإدخال مائه أو بإدخال الحويمن المستخلص منه، وهو المستفاد من بعض النصوص المعتبرة، وأمّا البويضة المخصّبة خارج الرحم بحويمن الرجل الأجنبي فلا دليل على حرمة إدخاله في رحم المرأة.
وهذا يعني إن السيستاني ليس لديه مشكلة ايضًا في أن المرأة ستحمل بنغلٍ (إبنٌ نشأ من نطفة غير زوجها)،
ولكن مشكلته فقط في أنّ النطفة للرجل الغريب لا تزرع مباشرة في الرحم وإنما يحصل التلقيح خارجيًا ، وحين وصولها الى مرحلة (البويضة المخصبة)، تزرع البويضة المخصّبة داخل رحمها!!!
وكلّ هذا بموافقة الزوج (الطّرن او الگِرن) وبعلمه، وبهذه الطريقة ايضًا حصلنا على نغلٍ شرعي بصورة أخرى من التلقيح الصناعي.
والرّد على الصورتين سيكون بحديثين (لا مجال للفرار منهما):
١- التلقيح الصناعي عن طريق وضع نطفة رجل اجنبي بصورة مباشرة في رحم امرأة اجنبية عليه هو حرام.
ما هو الدليل الشرعي الصحيح من اهل البيت ( عليهم السلام ) على حرمته؟
ج:
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجلا أقر نطفته في رحم يحرم عليه …(وسائل الشيعة ، ج ٢٠ ، ص ٣١٨)
٢- التلقيح الصناعي عن طريق تلقيح بويضة امرأة بنطفة رجل أجنبي ( غريب ) خارجيًا في المختبر، ومن ثم زرع البويضة المخصبة في رحمها ايضًا حرام.
ما هو الدليل؟
ج:
عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله: (عليه السلام): الزنا شر أو شرب الخمر؟ وكيف صار في شرب الخمر ثمانون وفى الزنا مائة؟ فقال: يا إسحاق، الحد واحد ولكن زيد هذا لتضييعه النطفة ولوضعه إياها في غير موضعه الذي أمره الله عز وجل به .. انتهى كلامه (عليه السلام)
(من لا يحضره الفقيه – ج ٤ – الصفحة ٣٩)
وبسبب إنّ الرجل لقّح نطفته ببويضة امراة غريبة عليه (حتى وان كان ذلك التلقيح خارجيًا) فهو يُعد بمثابة الزنا (وذلك لان نتيجته نتيجة الزنا) وهو وضع نطفته في غير الموضع الذي أحلّه الله عز وجل له أن يضعها فيه.
والذي ذُكر في كتاب الله:
( إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ) (المؤمنون ٦)
فلا يجوز لأي احد ان يضع نطفته بأي صورة إلا على زوجته او جاريته.
ومن ابتغى وراء هذين السبيلين، فاولئك هم المعتدون العاصون لله تعالى.
واهل البيت (عليهم السلام) كانوا دائمًا يحرصون على نهي اصحابهم في الزواج من المطلقات على غير السُّنّة، لماذا؟
كانوا يقولون (عليهم السلام) عبارتهم المعروفة:
{هو الفرج وامر الفرج شديد، ومنه يكون الولد ونحن نحتاط}
(الكافي المقدس- ج ٥ – الصفحة ٤٢٤)
فشدّة أمر الفرج هو بسبب تعلقه في مسألة الانجاب، وهم (عليهم السلام) كانوا ينهون اصحابهم عن مثل هذا الزواج لأجل منع وقوع تخليط الأنساب وإنجاب ” النغولة ” (اجلكم الله ورفع قدركم) ..
فالحمدلله على دين اهل البيت ( عليهم السلام ) الذي يوافق الفطرة السليمة ..
وقبل أن انتهي من هذا البحث (ومعذرةً عن الإطالة)، أُحب ان اقول بضعة كلمات مهمة:
لا تأتيني بعد قراءتك لهذا البحث وتقول لي
(هل انت أعلم من المرجعيات لكي تُخطأهم؟)
والسبب في منعي اياك من سؤالك لي بهذه الصيغة: إن المرجعيات ليسوا بحجّة عليَّ في إنهم أصحاب علمٍ ام لا، هؤلاء حجّة عليك فقط كمقلد لهم.
انا الحجّة عليَّ هو العالم الذي يوافق الكتاب والسّنة، اما العالم الذي يعمل بالاجتهاد والقياس ولا يلتزم بما جاءت به السنّة فهو ليس بحجّة عليَّ، ولا كرامة.
والمطلوب من مخالفينا المقلّدة ان لا يقعوا في الحيرة او التعصب او الهجوم علينا بعد قراءتهم لهذا البحث، وانما ينبغي عليهم ان يبتغوا طريق آل محمد (عليهم السلام) لا غير، فمن وافق من الناس كلامهم (عليهم السلام) أُخذ بكلامه ومن خالفهم تُرك كلامه، فهو السبيل الوحيد لنجاتهم.
قال تعالى ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) (النساء ٥٩)
والحمدلله رب العالمين ..
