بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ،
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، خالقِ الأفلاكِ ومدبِّرِ المسيرِ، باسطِ النورِ في الظلماءِ، ومهلكِ الجبابرةِ في عليائِهِم، المنتقمِ للمظلومِ إذا اشتكى، والعالمِ بما تُخفي السرائرُ وتُبدي الضمائرَ، رفعَ السماء بلا عمدٍ، وبسطَ الأرضَ على مهادٍ من رحمتهِ، وأجرى الأنهارَ بأمرِهِ، وأنبتَ الزرعَ بكرمِهِ، لا تدركُهُ الأبصارُ وهو يدركُ الأبصارَ وهو اللطيفُ الخبيرُ.
اللهم صلِّ على من أشرقت برسالتُه الأكوانُ، وازدانَ بنورِ وجهِهِ الزمانُ، سيدنا محمدٍ وعلى آلِهِ الطيبين الأطهارِ، صلاةً تملأُ ما بين المشرقين والمغربين، وتفوحُ أريجًا في قلوبِ المحبين إلى يومِ الدينِ.
أما بعدُ:
أن القولَ بأفضليةِ المهديِّ عجلَ اللهُ تعالى فرجهُ بدلائلَ كثيرةٍ، فهو المحققُ لقولِ اللهِ تعالى:
{إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةً}
سورةُ البقرةِ ٢: آيةُ ٣٠
فهو الخليفةُ الذي به سيملأُ الأرضَ عدلًا وقسطًا، بعدما ملأت ظلمًا وجورًا وقتلًا، ونحن جميعًا نعلم أن في زمنِ نبيِّ اللهِ آدمَ أبناؤهُ تشاجرُوا واحدُهم قتل الآخرَ.
فمنها سُفِكَتِ الدماءُ، وهو مثالٌ لقولِ الملائكةِ:
{قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماءَ}
سورةُ البقرةِ ٢: آيةُ ٣٠
ألم يحصل ذلك؟
منذ زمنِ نبيِّ اللهِ آدمَ سُفِكَتِ الدماءُ إلى يومِنا هذا، قتلٍ بعد قتلٍ، وأما في زمنِ الظهورِ فسيملأها عدلًا وقسطًا، فلا سَفْكَ دماءٍ ولا فسادَ.
فهو محققُ هذا الأمرِ، وهو خليفةُ اللهِ في الأرضِ الإلهيةِ، حيث جعلَ هذا الشيءَ أمرًا غيبيًا بقولهِ:
{قال إني أعلم ما لا تعلمون}
سورةُ البقرةِ ٢: آيةُ ٣٠
فهذا الترابطُ جعلَ الحجةَ المنتظرَ هو الخليفةُ الإلهيةَ، ويدلُّ على تفضيله، حيث في أول أمرٍ عجزَ نبيُّ آدمَ وحصلَ في زمنه سَفْكُ الدماءِ وفساد.
نروي لكم حديثًا:
يقولُ أبو عبد اللهِ (عليه السلام): إذا حدثَ بهذا الحديثِ هو كسرٌ على القدرية، ثم قال أبو عبد اللهِ عليه السلام: إنَّ آدمَ كان له في السماءِ خليلٌ من الملائكةِ، فلما هبطَ آدمُ من السماءِ إلى الأرضِ استوحشَ الملكُ وشكا إلى اللهِ وسأله أن يؤذن له فهبط عليه، فوجدَه قائمًا في قفرةٍ من الأرضِ، فلما رآه آدمُ وضعَ يده على رأسهِ وصاحَ صيحةً ،
المصدر/ التفسير للعياشي: ج ١، ص ٣٢.
قال أبو عبد اللهِ (عليه السلام): يروون أنه أسمعُ عامةِ الخلقِ، فقال له الملك: يا آدمُ ما أراك إلا قد عصيت ربك وحملت على نفسك ما لا تطيق، أتدري ما قالَ اللهُ لنا فيك؟ فرددنا عليه، قال: لا، قال: “إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةً”، قلنا: “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماءَ؟” فهو خلقك أن تكون في الأرضِ يستقيم أن تكون في السماءِ، فقال أبو عبد اللهِ عليه السلام: والله عزي بها آدمَ ثلاثًا.
وأيضًا لم يستطع أن يجعلَ أبناؤهم لا يتقاتلُون،
والدليل ما جاء في كتابه :
«وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ»
سورة المائدة، الآية 27:
فها هو قابيل قتل أخاه هابيل، والنبي لم يستطع أن يفعل شيئًا، وكانت بداية لقول الملائكة بأن تفسد الأرض من القتل وغيرها… والأمر حصل دون منع نبي الله آدم من أن يقتلوا بعضهم بعضًا، أفسدت الأرض، لكن الأرض ستحيا بظهور القائم، والدليل:
عن أبي جعفر عليه السلام في قوله عز وجل: (اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها) يعني بموتها كفر أهلها، والكافر ميت، فيحييها الله بالقائم فيعدل فيها، فتحيا الأرض ويحيا أهلها بعد موتهم.
المصدر/ البرهان في تفسير القرآن: ج ٥، ص ٢٨٩.
عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم عليه السلام: في قول الله عز وجل: «يحيي الأرض بعد موتها» قال: ليس يحييها بالقطر، ولكن يبعث الله رجالًا فيحيون العدل، فتحيا الأرض لإحياء العدل، ولإقامة العدل فيه أنفع في الأرض من القطر أربعين صباحًا.
المصدر/ تفسير نور الثقلين: ج ٤، ص ١٧٣.
والصاحب سيخلف الأرض.
خاتمة:
صدق ما قالته الملائكة في هذه الدنيا، لكن الله يعلم أن هناك رجلًا سيكون خليفته وممثله على الأرض، يملأها عدلًا وقسطًا، ونبي الله آدم فشل في الاختبار الأول، ثم عجز عن إيقاف أولادهما عن القتال، فصار قول الملائكة من سفك في نبوة آدم.
