مقدمة
ذكر الخطباء من على منبر الحسين هذه القصة، وأخذها البعض ذريعة ومحاولة للاستهزاء بهذه الرواية، ذلك لأنهم كانوا ولا زالوا من أولاد عمرو بن العاص، ومن أولاد معاوية، فحاولوا أن يقللوا ويستهزئوا بهذه القصة، وهناك ملابسات (قضايا) يجب أن توضح من خلال هذه الرواية.
أما هؤلاء المهرجون الذين – كما يعبر في عرفنا – «القراقوز»، فليس لهم قيمة علمية ولا فضيلة ولا فهم ولا علم، مجرد قرقوز ومهرجين حول هذه الرواية.
الرواية وما يشكلون عليها وبيانها:
أولًا: لغويًا ما هي “التكة”؟
(التكة) نحن في عرفنا نسميها (التچة)، يعني الرباط الذي يربط به السروال.
كما في كتاب (المصطلحات – مركز المعجم الفقهي) صفحة 1996، يقول: (التكة) – والتكة بالكسر – رباط السراويل.
وأيضًا في (تاج العروس) يقول: هي رباط السراويل، يعني الرباط الذي يربط به السروال.
الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) أراد أن يأخذ هذه (التكة)، وكانت جميلة، فعندما خرج إلى المعركة وكان يعلم أنه سيقتل على رمضاء كربلاء، عقدها عقدًا كثيرة؛ لأنه كان غيورًا، فأراد أن يبقى مستورًا حتى بعد استشهاده (صلوات الله عليه).
الرواية ترقق القلب، أنا قرأتها مرتين وثلاثًا قبل هذا البرنامج، تبكي وترقق حتى الحجر لا إراديًا. المستهزئون (القرقوز) مثل ما يسموهم، يقولون:
«هل من الممكن أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفاطمة الزهراء وعلي بن أبي طالب (عليهما السلام) ينزلون من السماء من أجل هذا الذي أراد سرقة تكة سروال الإمام الحسين؟!».
هؤلاء – أجلكم الله – حمير، ومتأسّون بعمرو بن العاص، وهم لا يعرفون ما هي القضية، ما عندهم قيمة لهتك الستر فيظنوه عادياً!! لكن ما قيمتها عند الله؟ خاصة إذا كان معصومًا! كبيرة هي عند الله ولذا ذكرت الرواية ما حصل لمن اراد هتك ستر المعصوم صلوات الله عليه وإن لم تكن تؤمن به كمعصوم، فهو ابن بنت النبي، وشهيد بنص حديث النبي (صلى الله عليه وآله)، كل هذا يجعلنا لا نستغرب ولا نستبعد حدوث مثل هذه الأمور، بل لو نزلت ملائكة السماء كلها فهي ليست ببعيدة لشدة صعوبة الموقف، ومع الشخص الذي حصل معه هذا الموقف.
ثانيًا: نص الرواية
عن سعيد بن المسيّب قال: لما استشهد أبو عبد الله الحسين عليه السلام، وحج الناس من قابل، دخلت على سيدي علي بن الحسين عليهما السلام، فقلت له: يا مولاي نويت الحج، فماذا تأمرني؟ قال: امض على نيتك فحج.
قال: فحججت، فبينما أنا أطوف بالكعبة، إذا أنا برجل وجهه كقطع الليل المظلم، متعلق بأستار الكعبة، وهو يقول:
«اللهم رب هذا البيت الحرام اغفر لي، وما أحسبك تفعل، ولو شفع فيّ سكان سماواتك وجميع من خلقت، لعظم جرمي».
قال سعيد بن المسيب: فشغلنا وشغل الناس عن الطواف حتى طاف به جميع الناس، واجتمعنا عليه، وقلنا له: ويلك لو كنت إبليس لعنه الله لكان ينبغي أن لا تيأس من رحمة الله، فمن أنت؟ وما ذنبك؟
فبكى وقال: يا قوم، إني أعرف نفسي وذنبي وما جنيت.
فقلنا له: تذكره؟
فقال: أنا كنت جمّالًا عند أبي عبد الله الحسين عليه السلام لما خرج من المدينة إلى العراق، وكنت أراه إذا أراد الوضوء للصلاة يضع سراويله عندي، فأرى تكة تغشي الأبصار بحسن إشراقها وألوانها، فكنت أتمنّاها، إلى أن صرنا بكربلاء فقتل الحسين عليه السلام ومن معه.
فدفنت نفسي في مغار من الأرض، ولم أطلب ولا أمثالي، فلما جن عليه الليل خرجت من مكاني، فرأيت تلك المعركة نورًا بلا ظلمة، ونهارًا بلا ليل، والقتلى مطروحون على وجه الأرض.
فذكرت لخبثي وشقائي التكة، فقلت: والله لأطلبن الحسين عليه السلام، فأرجو أن تكون التكة عليه في سراويله.
فلم أزل أنظر في وجوه القتلى حتى رأيت جسدًا بلا رأس، فقلت: هذا والله الحسين عليه السلام.
ونظرت إلى سراويله فإذا هي عليه، وتفقدت التكة فإذا هي في سراويله كما كنت أراها، فدنوت منه وضربت بيدي إلى التكة، فإذا هو عقدها عقدًا كثيرة، فلم أزل أحلها حتى حللت منها عقدًا واحدًا، فمد يده اليمنى وقبض على التكة، فلم أقدر على أخذ يده عنها ولا أصل إليها.فدعتني نفسي الملعونة لأن أطلب شيئًا أقطع به يده، فوجدت قطعة سيف مطروحة، فأخذتها وانكببت على يده، فلم أزل أجزّها من زندِه حتى فصلتها، ثم نحّيتها عن التكة، ثم حللت عقدًا آخر فمد يده اليسرى فقطعتها عن التكة، ومددت يدي إلى التكة لأحلها، فإذا بالأرض ترجف، والسماء (تهتز)، وإذا جلبة عظيمة، وبكاء (شديد)، ونداء (وقائل يقول): وا ابناه، وا حسيناه.
فصُعقت، ورميت بنفسي بين القتلى، وإذا بثلاثة نفر وامرأة، حولهم خلائق (وقوف)، قد امتلأت بهم الأرض والسماء بصور الناس وأجنحة الملائكة، وإذا أنا بواحد منهم يقول: وا ابناه (وا حسيناه)، يا حسين، فداك جدك وأمك وأبوك وأخوك.
وإذا أنا بالحسين عليه السلام قد جلس، ورأسه على بدنه، وهو يقول: لبيك يا جداه يا رسول الله، ويا أبتاه يا أمير المؤمنين، ويا أماه يا فاطمة الزهراء.
(ثم إنه بكى وقال: يا جداه، قتلوا والله رجالنا، يا جداه، ذبحوا والله أطفالنا، يا جداه، سلبوا والله نساءنا، وبكوا بكاء كثيرًا).
وفاطمة تقول: يا أبتاه (يا رسول الله)، أتأذن لي أن آخذ من دم شيبته فأخضب ناصيتي وألقى الله يوم القيامة؟
قال لها: خذي.
فتأخذ فاطمة عليها السلام (فرأيتهم يأخذون) من دم شيبته وتمسح به ناصيتها، والنبي وعلي والحسن عليهم السلام يمسحون به نحورهم وصدورهم وأيديهم إلى المرافق.
وسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول له: يا حسين، فديتك، من قطع يدك اليمنى وثنّى باليسرى؟
فقال: يا جداه، كان معي جمّال صحبني من المدينة، وكان يراني إذا وضعت سراويلي لوضوء الصلاة فيتمنى تكّتي تكون له، فما منعني أن أدفعها إليه إلا علمي بأنه صاحب هذا الفعل.
فلما قُتلت، خرج يطلبني في القتلى، فوجدني بلا رأس، وتفقد سراويلي، ورأى التكة وقد كنت عقدتها عقدًا، فضرب بيده إلى عقد منها فحلها، فمددت يدي اليمنى فقبضت على التكة، فطلب من المعركة فوجد قطعة سيف فقطع بها يميني، ثم حل عقدة أخرى، فضربت بيدي اليسرى فقبضت عليها لئلا يحلها فيكشف عورتي، فجزّ يدي اليسرى، ولما أومأ إلى حل العقدة الأخرى أحسست بك، فرمى نفسه بين القتلى.
فقال النبي صلى الله عليه وآله: الله أكبر، وقال لي: ما لك يا جمّال، سوّد الله وجهك في الدنيا والآخرة، وقطع يديك، وجعلك في حزب من سفك دماءنا، وجرّأك على الله في قتلنا.
فما استتم دعاءه صلى الله عليه وآله حتى بُترت يداي، وأحسست بوجهي كأنه أُلبس قطعًا من النار (مسودًا)، فجئت إلى هذا البيت أستشفع به، وأعلم أنه لا يغفر لي أبدًا.
فلم يبق بمكة أحد إلا سمع حديثه وكتبه، وتقرب إلى الله بلعنه، وكل يقول: حسبك ما جنيت.(مدينة معاجز الأئمة، ج 3، ص 79)
مناقشة وتحليل الرواية:
الرواية تذوب الحجر، وليس فيها شيء غريب.
إذا كنت تستغرب هذا – (القرقوز) أجلكم الله – هذا المهرج عندما يقول:
«هل يُعقل على تكة سروال يأتي رسول الله وفاطمة وعلي؟!»
الجواب: نعم.
ويهبط حتى جبرائيل والملائكة؟ نعم.
بل رسول الله أشرف الموجودين؟نعم، لا تستغرب من ذلك.
تعرف لماذا؟ لأن في حل أزرار (التكة) هتكًا لحرمة الحسين (سلام الله عليه).
في الرواية يقول: «تمسكت بها كي لا تنكشف عورتي».
الإمام الحسين، كله غيرة، عندما جعل (تكة) السروال فيها عقدًا كثيرة، كي يعجز العاجز عن حلها، فلا تُهتك حرمة الحسين (سلام الله عليه). كيف وهو أشرف الموجودين على الأرض من بعد محمد وأهل بيته وأخيه؟! وطبعًا وكلهم سواسية، وفيه روايات من فم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقدسية الإمام الحسين، الغيور.
لذلك نحن في معتقدنا: «لا يغسل المعصوم إلا المعصوم، ولا يدفن المعصوم إلا المعصوم». محرّم جسده وعورته في الدنيا والآخرة وبعد مماته. فأراد الحسين (عليه السلام) أن لا تُهتك حرمته، مملوء بالغيرة. فهذا المستغرب الذي يستغرب من ذلك، طبعًا يستغرب لأنه شرب من نسل عمرو بن العاص، هذا الذي فرّ من سيف علي (عليه السلام) كاشفًا عورته! هذا الذي شرب من حب معاوية، كلهم لا غيرة لهم، لا دين لهم، لا مبادئ لهم.
والله عز وجل أراد من خلال هذه الرواية، من خلال جعل الحسين (عليه السلام) يتحدث، ومن خلال جعل هذا الرجل يُدعى عليه هكذا، كي يتعلق بأستار الكعبة، كي يُخبر الناس بما حدث. وهذا بالاتفاق أن الله عز وجل إذا أراد أن يكشف أمرًا يتطلب المعجزة يجعله شرًّا وآية للناس. فحصل هذا الموقف لعِظم الذي أراده هذا الرجل، وهو كشف وهتك ستر الحسين (عليه السلام) بعد استشهاده وهو على رمضاء كربلاء.
فرأى الذي جرى، وذهب فتعلّق بأستار الكعبة، وجعل الناس ينتبهون لما يجري عليه. هذا كله بترتيب إلهي وترتيب سماوي، كي يُخبرهم بالذي حدث. وها نحن اليوم نتحدث، وإلا من منا يعرف ما الذي جرى لو لم يجعل الله عز وجل هذا آية للناس كي يعرفوا قبح هذا الفعل، الذي أُريد من خلاله هتك ستر الحسين (صلوات الله وسلامه عليه).
والقرآن مملوء بالآيات التي تتحدث بأن الله جعل أناسًا آية لأناس آخرين، أو جعل آية لملة أخرى أو لملل أخرى.
فكل هذا ليس فيه غرابة، لكن هذا الحاقد البائس، المبغض لأهل البيت (عليهم السلام) بالمباشرة، يحاول أن يستهزئ وينتقد هذه الرواية. وإلا فالرواية واضحة، لا غرابة فيها، وإن ذكرها الخطباء على المنبر فهي رواية ترقق القلوب، وتبين المآسي التي جرت على أبي عبد الله الحسين، وأن الذي جرى وهبوط العترة الطاهرة إلى الأرض ليس إلا لعِظم قدسية الحسين، ولعِظم هتك ستر الحسين (عليه الصلاة والسلام).
الخلاصة
إن المعاجز في مفهومها العام هي وسيلة لتبيان أمر بالغ الأهمية، وبشكل خاص فإن هذه الرواية وهذه الحادثة أراد الله بها بيان غيرة الحسين (عليه السلام)، وبيان قبح هذا الفعل ومن أراد التجرؤ على تلك المقامات التي وضعهم الله فيها. فلا يغرنكم الشيطان، ولا تستهزئوا بمعجزات الله وكرامات أهل البيت لضعف عقولكم عن استيعابها.
