بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين
قال صادق الحكام وخير زمانه من الأنام أبو عبدالله الإمام عليه الصلاة والسلام لتلميذه المفضل صلى الله عليه:
(توحيد المفضل – ص٨٢)
« تأمل الآن يا مفضل ما ستر عن الإنسان علمه من مدة حياته، فإنه لو عرف مقدار عمره – وكان قصير العمر – لم يتهنأ بالعيش، مع ترقب الموت وتوقعه، لوقت قد عرفه، بل كان يكون بمنزلة من قد فنى ماله، أو قارب الفناء، فقد استشعر الفقر، والوجل من فناء ماله وخوف الفقر على أن الذي يدخل على الإنسان فناء العمر أعظم مما يدخل عليه من فناء المال، لأن من يقل ماله يأمل أن يستخلف منه، فيسكن إلى ذلك، ومن أيقن بفناء العمر استحكم عليه اليأس وإن كان طويل العمر، ثم عرف ذلك، وثق بالبقاء، وانهمك في اللذات والمعاصي، وعمل على أنه يبلغ من ذلك شهوته، ثم يتوب في آخر عمره. وهذا مذهب لا يرضاه الله من عباده ولا يقبله، ألا ترى لو أن عبدا لك عمل على أنه يسخطك سنة ويرضيك يوما أو شهرا، لم تقبل منه، ولم يحل عندك محل العبد الصالح دون أن يضمر طاعتك ونصحك في كل الأمور؟ وفي كل الأوقات، على تصرف الحالات فإن قلت أو ليس قد يقيم الإنسان على المعصية حينا ثم يتوب فتقبل توبته؟ قلنا: إن ذلك شئ يكون من الإنسان لغلبة الشهوات له وتركه مخالفتها من غير أن يقدرها نفسه، ويبني عليه أمره، فيصفح الله عنه، ويتفضل عليه بالمغفرة. فإما من قدر أمره على أن يعصي ما بدا له، ثم يتوب آخر ذلك، فإنما يحاول خديعة من لا يخادع، بأن يتسلف التلذذ في العاجل، ويعد ويمني نفسه التوبة في الآجل، ولأنه لا يفي بما يعد من ذلك، فإن النزوع الترفه والتلذذ ومعاناة التوبة، ولا سيما عند الكبر وضعف البدن، أمر صعب، ولا يؤمن على الإنسان، مع مدافعته بالتوبة أن يرهقه الموت، فيخرج من الدنيا غير تائب، كما قد يكون على الواحد دين إلى أجل، وقد يقدر على قضائه، فلا يزال يدافع بذلك حتى يحل الأجل، وقد نفذ المال، فيبقى الدين قائما عليه. فكان خير الأشياء للإنسان أن يستر عنه مبلغ عمره، فيكون طول عمره يترقب الموت، فيترك المعاصي، ويؤثر العمل الصالح (فإن قلت): وها هو الآن ستر عنه مقدار حياته، وصار يترقب الموت في كل ساعة يقارف الفواحش وينتهك المحارم (قلنا): إن وجه التدبير في هذا الباب، هو الذي جرى عليه الأمر فإن كان الإنسان مع ذلك لا يرعوي ولا ينصرف عن المساوي، فإنما ذلك من مرحه ومن قساوة قلبه، لا من خطأ في التدبير، كما أن الطبيب قد يصف للمريض ما ينتفع به، فإن كان المريض مخالفا لقول الطبيب، لا يعمل بما يأمره ولا ينتهي عما ينهاه عنه، لم ينتفع بصفته، ولم تكن الإساءة في ذلك للطبيب بل للمريض، حيث يقبل منه ولئن كان الإنسان مع ترقبه للموت كل ساعة لا يمتنع عن المعاصي، فإنه لو وثق بطول البقاء كان أحرى بأن يخرج إلى الكبائر الفظيعة.. فترقب الموت على كل حال خير له من الثقة بالبقاء ثم إن ترقب الموت وإن كان صنف من الناس يلهون عنه، ولا يتعظون به فقد يتعظ به صنف آخر منهم، وينزعون عن المعاصي، ويؤثرون العمل الصالح، ويجودون بالأموال والعقائل النفيسة في الصدقة على الفقراء والمساكين فلم يكن من العدل أن يحرم هؤلاء الانتفاع بهذه الخصلة لتضييع أولئك حظهم منها»
يبين الإمام أن الله ستر عن الإنسان مقدار عمره لحكمة عظيمة، فلو علم الإنسان متى سيموت، لما ارتاح في حياته، بل سيشعر بيأس شديد كمن فُقد ماله بالكامل، ستر العمر يجعل الإنسان يترقب الموت دائمًا، فيترك المعاصي ويحرص على العمل الصالح، بدلًا من إستغلال حياته في الترفه والشهوات مع وعد نفسه بالتوبة لاحقًا، لأن هذا الوعد غالبًا لن يُوفى به، خاصة مع تقدم العمر وضعف البدن، كما أن ستر العمر رحمة للإنسان، فبقدر ما يجهل مدة حياته، يكون أكثر حذرًا في أفعاله، ويزداد حرصه على الطاعة والصلاح، وهذا النظام حكمة إلهية لمصلحة الإنسان، فالأمر ليس نقصًا بل حماية له من اليأس والإسراف
هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ولعن الله المسلمين
