فَصْلُ المَقال في كُفْرِ مَنْ مَرَقَ عَنْ رايَةِ الأخْبار

سبتمبر 11, 2026

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين

” نتناول في هذا المقال انحراف الفرق، وكيف يُعدّ المروق عن راية الهدى (الأخبارية الجدد) كفرًا ومروقًا عن الملة.”

إن الاعتصام براية الهدى والتمسّك بالمنهج القويم هما العصمة من الفتن والسبيل الوحيد للنجاة، وقد شهدت الأمة عبر تاريخها ظهور فرقٍ شذّت عن السواد الأعظم ومرقت عن جادّة الحق، ممّا يستوجب بيان حالها وإيضاح المفارق التي أخرجتها عن دائرة الملة.

فقد كَثُرت الأقاويل والاعتراضات الصادرة عن ادعاء الأصولية ومن شايعهم من أصحاب الأهواء، إذ وجّهوا سهام نقدِهم لعلّة تكفيرنا لكافة الفرق المدّعية للإسلام والتشيّع، ويدّعي هؤلاء أنّ هذا الحكم لم يبتنِ على الحديث الشريف والأخبَارِ المأثورة بوصفها المفتاح الأساس للحكم على عقائد الناس، بل يزعمون أنّه بُني على أقاويل ومقالات بشرية تُصيب وتُخطئ وجُعلت حَكَمًا على العقائد.

عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾؟ فقال:«أما والله، ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم ما أجابوهم، ولكن أحلوا لهم حراما، وحرموا عليهم حلالا، فعبدوهم من حيث لا يشعرون» ¹

تكشف هذه الرواية الشريفة جوهر الانحراف الذي وقعت فيه الفرق المارقة، فالتشريع حقٌّ حصريٌّ لله والمعصومين، والاتّباع الأعمى للعلماء والفقهاء في التحليل والتحريم بالآراء الظنية هو عين اتّخاذهم أربابًا من دون الله، ليكمن المروق الحقيقي عن راية الهدى في تقديم أقاويل الرجال التي تصيب وتخطئ على الحديث الشريف والمأثور المعصوم، فيكون حكمنا بانحراف تلك الفرق وتكفيرها تطبيقًا مباشرًا لهذا الأصل الإلهي الذي يجزم بأنّ من استبدل النص والخبر بشرائع الرجال فقد خرج عن الدين الخالص ومرق عن الملة.

عن أبي جعفر (عليه السّلام) في حديث طويل إلى أن قال:«ويسير إلى الكوفة فيخرج منها ستّة عشر ألفا من البترية شاكّين في السلاح، قرّاء القرآن، فقهاء في الدّين، قد قرحوا جباههم و سمّروا ساماتهم، وعمّهم النفاق، وكلّهم يقولون: يابن فاطمة ارجع لا حاجة لنا فيك!فيضع السيف فيهم على ظهر النجف عشيّة الإثنين من العصر إلى العشاء فيقتلهم أسرع من جزر جزور، فلا يفوت منهم رجل، ولا يصاب من أصحابه أحد، دماؤهم قربان إلى اللّه. ثمّ يدخل الكوفة فيقتل مقاتليها حتّى يرضى اللّه.
قال: فلم أعقل المعنى، فمكثت قليلا ثمّ قلت: جعلت فداك وما يدريه متى يرضى اللّه؟قال: يا أبا الجارود إنّ اللّه أوحى إلى أمّ موسى وهو خير من أمّ موسى، وأوحى اللّه إلى النحل وهو خير من النحل، فعقلت المذهب، فقال لي: أعقلت المذهب؟قلت: نعم، فقال: إنّ القائم ليملك ثلاثمائة وتسع سنين كما لبث أصحاب الكهف في كهفهم، يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا، و يفتح اللّه عليه شرق الأرض وغربها. يقتل الناس حتّى لا يرى إلاّ دين محمّد (صلّى اللّه عليه وآله)، يسير بسيرة سليمان بن داود، يدعو الشمس والقمر فيجيبانه، وتطوى له الأرض، فيوحي اللّه إليه فيعمل بأمر اللّه‌» ²

تكشف هذه الرواية عن صدامٍ مستقبلي بين الدين الخالص وبين مقلّدة الفقهاء وأهل الاجتهاد عند ظهور القائم، حيث يظهر جليًا أنّ الاعتماد على الآراء والاجتهادات الظنية قد حجب أصحابها عن معرفة الحق، فصاروا أعداءً لراية الهدى لإلفهم أئمة الضلال وما اعتادوه من فتاوى الرجال، ومن هنا يتضح أنّ مروق تلك الفرق ومناهضتها للحق ليس مجرد انحرافٍ وقتي، بل هو عقيدةٌ فاسدة تجعل المتمسك بها يستبطن الكفر ويضمر الخلاف، ليكون سيف المعصوم هو الحاسم في اقتلاع هذه المذاهب المبتدعة وإعادة الدين كاملاً كما أنزله الله.

تُعدّ الشريعة الإلهية بناءً واحدًا لا يقبل التجزئة، وإنّ اتّباع المنهج الأصولي القائم على الاجتهاد والظنّ والتحسين العقلي قد فرّخ فرقًا وطوائف متعدّدة، تشترط جميعها أخذ الدين عن آراء الرجال واجتهاداتهم بديلًا عن النصّ الشريف، وهو ما يوقعها جميعًا في ربقة الكفر والمروق.

ومن هذه الفرق المنحرفة غير الأصولية :

المفوضة: صغروا عظمة الخالق جلّ وعلا بتركيب صفات الربوبية والتدبير والتخليق المطلق على المخلوقين، فنسبوا أفعال الله لغيره ووقعوا في الشرك والضلال.

الأخبارية القدماء (أرباب علم الرجال): تدثروا بظاهر الانتساب للحديث بينما استخدموا “علم الرجال” وتضعيف الأحاديث انتقائيًا لتغطية فضائحهم وتمرير مآربهم، فقدموا تقويم الرجال على متون الأخبار.

عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله (عليه السّلام) قال:«يا أبان، إذا قدمت الكوفة فارو هذا الحديث: “مَن شهد أن لا إله إلا الله مخلصًا وجبت له الجنّة”. قال: قلت له: إنّه يأتيني من كلِّ صنف من الأصناف أفأروي لهم هذا الحديث؟ قال (عليه السلام): نعم يا أبان إنّه إذا كان يوم القيامة وجمع الله الأوّلين والآخرين فتسلب (لا إله إلا الله) منهم إلّا مَن كان على هذا الأمر.» ³


تُعدّ هذه الرواية الشريفة برهانًا قاطعًا يضع الفاصل الدقيق بين التوحيد الظاهري والتوحيد المقبول، إذ تبيّن أنّ مجرد التلفظ بالشهادتين لا ينجي صاحبه، بل إنّ كلمة التوحيد تُسلب يوم القيامة من كافة الفرق المنتسبة للإسلام ولا تثبت إلا لمن كان «على هذا الأمر» ومتمسكًا براية الهدى، ليظهر جليًا أنّ الأصوليين والمفوضة وكل من قدّم آراء الرجال والتقسيمات البشرية على الخبر المعصوم هم مسلوبو التوحيد الحقيقي لاستبدالهم المنهج المعصوم بالطاعة العمياء لأرباب الاجتهاد، فيكون الحكم بمروقهم وتكفيرهم تطبيقًا إلهيًا حتميًا، إذ إنّ سلب الشهادة منهم في الآخرة هو المآل الطبيعي لخروجهم عن الدين الخالص ورفضهم الانقياد للولاية الشريفة في الدنيا.

حدثنا أبو بكر الهذلي، قال: دخل الحارث بن حوط الليثي على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال:«يا أمير المؤمنين ما أرى طلحة والزبير وعائشة اجتمعوا ‏إلا على حق؟ فقال ‏[له أمير المؤمنين عليه السلام]‏ : يا حارث إنك إن نظرت تحتك ولم تنظر فوقك جزت عن الحق، إن الحق والباطل لا يعرفان بالناس ولكن اعرف الحق باتباع من اتبعه والباطل باجتناب من اجتنبه» ⁴

وفي الختام، يتبيّن جليًا أنّ الميزان الفاصل بين الإيمان والكفر هو التمسّك المطلق براية الهدى والنصّ المعصوم الصريح، بعيدًا عن أهواء الرجال والتخرّصات الكلامية والاجتهادات الظنية.
لقد كشفت البراهين والأخبار المأثورة أنّ كلّ مَن عدل عن الشريعة الخالصة واتّبع القواعد البشرية التي تصيب وتخطئ—سواء كان من الأصوليين أو المفوضة أو أرباب القياس—قد أشرك في التشريع وسُلبت منه حقيقة التوحيد، ليغدو مروقهم وتكفيرهم حقيقةً إلهية ثابتة بالنص والخبر، فالنجاة كلّ النجاة تكمن في رفض أرباب الاجتهاد والعودة الصادقة إلى نبع الحديث الشريف وتسليم الأمر أجمع لآل محمد (عليهم السلام) وحدهم دون سواهم.
————————————————————–
المصادر:
1_ الكافي الشريف – ج1 – 53
2_ دلائل الإمامة – ص455
3_ الكافي – ج2 – ص 520
4_ الأمالي – الشيخ الطوسي – ج1 – ص164

اترك تعليقاً