“في دفع ما يعترض به الملاحدة والجهال على الحكمة في مصائب الناس، وما يعم الصالح والطالح”

أغسطس 6, 2026

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

من أحاديث الإمام الصادق (صلوات الله عليه) لتلميذه المفضل بن عمر (رضوان الله تعالى عليه.): «وقد يتعلق هؤلاء بالآفات التي تصيب الناس، فتعم البرَّ والفاجر، أو يُبتلى بها البرُّ ويسلم الفاجر منها، فقالوا: كيف يجوز هذا في تدبير الحكيم، وما الحجة فيه؟ فيقال لهم: إن هذه الآفات، وإن كانت تنال الصالح والطالح جميعًا، فإن الله عز وجل جعل ذلك صلاحًا للصنفين كليهما. أما الصالحون، فإن الذي يصيبهم من هذا يزدهم نعم ربهم عندهم في سالف أيامهم، فيحدوهم ذلك على الشكر والصبر. وأما الطالحون، فإن مثل هذا إذا نالهم كسر شرتهم، وردعهم عن المعاصي والفواحش. وكذلك يجعل لمن سلم منهم من الصنفين صلاحًا في ذلك. أما الأبرار، فإنهم يغتبطون بما هم عليه من البر والصلاح، ويزدادون فيه رغبةً وبصيرةً. وأما الفجار، فإنهم يعرفون رأفة ربهم، وتطوله عليهم بالسلامة من غير استحقاق، فيحضهم ذلك على الرأفة بالناس، والصفح عمن أساء إليهم، ولعل قائلًا يقول: إن هذه الآفات التي تصيب الناس في أموالهم، فما قولك فيما يبتلون به في أبدانهم، فيكون فيه تلفهم، كمثل الحرق، والغرق، والسيل، والخسف؟ فيقال له: إن الله جعل في هذا أيضًا صلاحًا للصنفين جميعًا. أما الأبرار، فلما لهم في مفارقة هذه الدنيا من الراحة من تكاليفها، والنجاة من مكارهها. وأما الفجار، فلما لهم في ذلك من تمحيص أوزارهم، وحبسهم عن الازدياد منها، وجملة القول: إن الخالق، تعالى ذكره، بحكمته وقدرته، قد يصرف هذه الأمور كلها إلى الخير والمنفعة. فكما أنه إذا قطعت الريح شجرةً، أو قطعت نخلةً، أخذها الصانع الرفيق، واستعملها في ضروب من المنافع، فكذلك يفعل المدبر الحكيم في الآفات التي تنزل بالناس في أبدانهم وأموالهم، فيصيرها جميعًا إلى الخير والمنفعة، فإن قال: ولم تحدث على الناس؟ قيل له: لكيلا يركنوا إلى المعاصي من طول السلامة، فيبالغ الفاجر في ركوب المعاصي، ويفتر الصالح عن الاجتهاد في البر. فإن هذين الأمرين جميعًا يغلبان على الناس في حال الخفض والدعة، وهذه الحوادث التي تحدث عليهم تردعهم، وتنبههم على ما فيه رشدهم. فلو خلوا منها، لغلوا في الطغيان والمعصية، كما غلا الناس في أول الزمان، حتى وجب عليهم البوار بالطوفان، وتطهير الأرض منهم.»

( توحيد المفضل بن عمر- ص 206)

يبين الإمام الصادق (عليه السلام) الحكمة الإلهية في نزول الآفات والمصائب بالناس كافة، موضحاً أنها خير وصلاح للجميع؛ فالابتلاء يزيد الصالحين شكراً وصبراً وراحة من تكاليف الدنيا بالموت، ويكسر شرة الطالحين ويردعهم عن المعاصي ويمحص ذنوبهم أو يمنعهم من الازدياد منها. كما أن السلامة من الآفات تزيد الأبرار رغبة في الصلاح، وتُعرّف الفجار برأفة الله ليترأفوا بالعباد، والغاية الكلية من هذه الحوادث هدم حالة الغفلة والغرور الناجمة عن طول السلامة، وتنبه الناس لكيلا يطغوا كما طغت الأمم السابقة فحق عليها العذاب، مثلما يحول الصانع الحاذق الشجرة المكسورة إلى منافع متعددة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

تعليق واحد على "“في دفع ما يعترض به الملاحدة والجهال على الحكمة في مصائب الناس، وما يعم الصالح والطالح”"

اترك تعليقاً