مقدمة في بيان فضل السيدة خذيجة.
خديجة بنت خويلد امرأة وصلت إلى مقام من مقامات العصمة، وكذلك الأولياء والصالحون والبشر عمومًا، فكل إنسان يمكن أن يبلغ مقامًا من مقامات العصمة بحسب درجته ومقامه. وخديجة لابد أن تكون قد بلغت مقامًا من هذه المقامات.
ولكن هل من الممكن أن يقع منها الخطأ أو السهو أو النسيان؟ نعم، هذا ممكن؛ لأنها لم تصل إلى مقام العصمة الخاص بأهل البيت (عليهم السلام) الذي ثبت بنص صريح قطعي.
لكن عدم وجود نص صريح يثبت العصمة القطعية لمن هم دون أهل البيت (عليهم السلام) لا يعني بالضرورة عدم استحقاق شخص ما للوصول إلى مقام من مقامات العصمة. فقد يبلغ الإنسان مقامًا من مقامات العصمة، وفي الوقت نفسه يمكن أن تصدر منه بعض الأخطاء أو حالات السهو والنسيان، بخلاف من ثبتت عصمته بنص قطعي، كأهل البيت (عليهم السلام)، فإن الكلام في عصمتهم قائم على دليل ونص قطعي.
علة من علل مقام عصمة خديجة (عليها السلام)
فاطمة (عليها السلام) عندما كانت جنينا في رحم أمها، كانت تتغذى من دم خديجة (عليها السلام). فكيف يمكن أن نبيّن فضل ومقام فاطمة (عليها السلام) إذا لم يكن ذلك الدم طاهرا؟ إن الباحث الحصيف والمحقق إذا تأمل في هذه المسألة، يدرك أن القول بأن روح فاطمة (عليها السلام) خلقت من النور لا ينفي كونها آدمية من دم ولحم، ولا ينفي أنها مخلوقة بصورة طبيعية كأي بشر آخر.
فهي كانت جنينا في رحم خديجة (عليها السلام)، ولا بد أن تكون لهذا الرحم خصوصية، لأنه كان الوعاء الذي احتضن ولادة من ارتبطت بالإمامة ومقامها العظيم.
تشويه صورة السيدة خذيجة
من خلال الدس الأموي حاولوا أن ينقلوا فضائل السيدة خديجة (عليه السلام) إلى عائشة (لعنة الله عليها)؟ وجعلوا السيدة الطاهرة خديجة متزوجة مرتين من كافرين قبل الإسلام، حتى عندما نأتي ونتحدث عن مقامات الزهراء (عليها السلام)، ويقال إن هذا الرحم الذي أنجب الزهراء (عليها السلام) قد وطئته نطفة مشرك، تصبح القضية مقبولة عندهم.
لكن الحقيقة أن الرحم الذي حمل فاطمة الزهراء (عليها السلام) لا يمكن أن يكون قد حمل قبل ذلك نطفة مشرك؛ لأن هذا لا ينسجم مع مقام الزهراء (عليها السلام) وطهارة أصلها ونسبها.
عاشئة (لعنة الله عليها) ليست ببكر.
عن عبد الله بن ملكية قال:« خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عائشة بنت أبي بكر الصديق. فقال: إني كنت أعطيتها مطعماً لابنه جبير، فدعني حتى أسلها منهم، فاستسلها منهم فطلقها، فتزوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)» ¹
روايات في فضل السيدة خذيجة
وقيل:«بأن معنى قوله تعالى: ﴿ووجدَكَ عَائلا فَأَغنَى ﴾ أي أغناك بمال خديجة (عليها السلام) » ²
عن أبي سعيد الخدري أن النبي(صلى الله عليه وآله) قال:«إن جبرئيل قال لي ليلة أسريَ بي: وحين رجعت فقلت: يا جبرئيل هل لك من حاجة؟فقال: حاجتي أن تقرأ على خديجة من الله ومني السلام، وحدثنا عند ذلك أنها قالت حين لقَّاها نبي الله السلام فقال لها الذي قال جبرئيل قالت: إن الله هو السلام ومنه السلام وإليه السلام، وعلى جبرئيل السلام» ³
السؤال هنا: عندما يرسل الله تبارك وتعالى إلى عبد من عباده رسالةً بيد رسوله، عن طريق جبرئيل (عليه السلام)، أليس هذا دليلًا على أن خديجة (عليها السلام) كانت في مقام عظيم، ومقام رفيع لا يصل إليه الإنسان بسهولة؟
كانت خديجة (عليها السلام) في مقام عاشت فيه موحدة، مطهرة، نقية، ثرية، عفيفة، لم تتلوث بالشرك، ووصلت إلى مقام عالٍ من الطهارة والعصمة، وبهذا اللحاظ، تكون مؤهلة لمخاطبة السماء، ومؤهلة لحمل فاطمة الزهراء (عليها السلام) في رحمها، فهذه المرأة التي بلغت هذا المقام هي التي احتضنت في رحمها سيدة نساء العالمين، وكانت فاطمة (عليها السلام) تتغذى من رحم خديجة (عليها السلام).
«ودخل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على فاطمة (عليها السلام) فرآها منزعجة، فقال لها: ما بك؟ فقالت: الحميراء افتخرت على أمي أنها لم تعرف رجلا قبلك وأن أمي عرفتها مسنّة. فقال (صلّى اللّه عليه و آله): إن بطن أمك كان للإمامة وعاء» ⁴
عن عمرو ابن أبي المقدام عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال:« دخل رسول الله(صلى الله عليه وآله) منزله فإذا عائشة مقبلة على فاطمة تصايحها وهي تقول: والله يا بنت خديجة ما ترين إلا أن لأمك علينا فضلاً، وأي فضل كان لها علينا ما هي إلا كبعضنا. فسمع (أي رسول الله(صلى الله عليه وآله)) مقالتها لفاطمة ولما رأت فاطمة أباها بكت فقال لها ما يبكيك يا بنت محمد؟ قالت: ذكرت أمي فأنتقصتها فبكيت، فغضب رسول الله(صلى الله عليه وآله) ثم قال: مه يا حميراء فإن الله تبارك وتعالى بارك في الولود الودود، وإن خديجة رحمها الله ولدت مني طاهراً وهو عبد الله وهو المطهر، وولدت مني القاسم وفاطمة ورقية وأم كلثوم وزينب، وأنتِ ممن أعقم الله رحمها فلم تلدي شيئاً.» ⁵
المناقب لابن شهرآشوب الشيرازي في كتابه بالإسناد عن الهذيل عن مقاتل: «عن محمد بن الحنفية عن الحسن بن علي (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿في أي صورة ما شاء ركبك﴾ قال: صور الله عز وجل علي بن أبي طالب (عليه السلام) في ظهر أبي طالب على صورة محمد (صلى الله عليه وآله)، فكان علي بن أبي طالب أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان الحسين بن علي أشبه الناس بفاطمة، وكنت أنا أشبه الناس بخديجة الكبرى…» ⁶
في زيارة علي الأكبر (عليه السلام) «السلام عليك يا ابن رسول الله، السلام عليك يا ابن عليّ أمير المؤمنين، السلام عليك يا ابن الحسن والحسين، السلام عليك يا ابن خديجة وفاطمة، صلّى الله عليك، لعن الله مَن قتلك…» ⁷
الخاتمة.
إذا مررنا بهذه الروايات وما فيها من تعظيم لمقام خديجة (عليها السلام)، فإننا نصل إلى نتيجة واضحة: خديجة لم تسجد لصنم قط، ولم يطأها أحد غير رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهي الرافضية والموالية، وهي التي أنجبت أم الروافض فاطمة (عليها السلام). فكيف لا يكون رحمها طاهرا؟ وكيف لا يكون دمها طاهرا؟
إن خديجة (عليها السلام) واصلة إلى مقام عظيم من الطهارة، ومؤهلة لمقام العصمة، وإن لم يرد نص صريح يثبت عصمتها، نعم، قد يقول قائل: لا يوجد نص صريح يمنع احتمال صدور بعض الأخطاء التي تنافي العصمة، لكن الكلام هنا عن مقامها في الجملة؛ فإن مقامها مقام الطهارة، ومقام التأهل لأن تحمل فاطمة (عليها السلام) بهذا المقام العظيم.
والحسن (عليه السلام) يصف نفسه بأنه أشبه الناس بخديجة، فحين نلتفت إلى هذه الشهادة نسأل: ما مقام خديجة حتى يكون الحسن (عليه السلام) أشبه الناس بها؟
————————————————————–
المصادر:
1_ الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد – ج2 – ص59
2_ شجرة طوبى للشيخ محمد مهدي الحائري – ج2 – ص233/234
3_ تفسير العياشي – ج2 – 279
4_ بحار الأنوار – ج43 – ص43
5_ الخصال للشيخ الصدوق – ج2 – ص405
6_ بحار الأنوار – ج24 – ص316
7_ الكافي الشريف – ج4 – ص575
