مقدمة: ضرورة العصمة ومعضلة زمن الغيبة
يُعدّ مفهوم العصمة ركنًا أساسيًا في البناء العقائدي الشيعي، فهو يمثل الضمانة الإلهية لصحة الرسالة وكمال الحجة. وفي ظل غيبة الإمام المعصوم، تتصاعد التساؤلات الفكرية حول المرجعية الشرعية القادرة على حمل أمانة فهم النصوص الدينية وقيادة الأمة. هنا، تبرز معضلةٌ وجودية: كيف يمكن لمسيرة الأمة ألا تكون تحت إشراف معصوم في زمن الغيبة؟ وهل يعقل أن تكون الحجة الربانية على الناس عرضة للخطأ والتباين، مما قد يفتح الأبواب لتضارب الفهوم ويهدد وحدة الدين نفسه؟
إن عصمة الرسالة، في جوهرها، ليست مجرد وعد إلهي فحسب، بل هي ضرورة عقلية تمليها حكمة الله وعدله، تضمن عدم تحريف الهداية الإلهية وتحقيق الغاية من بعثة الأنبياء وتنصيب الأئمة. فبدون هذه العصمة، ستضل الناس وسيكون لديهم حجة على الله يوم الحساب بأن الرسالة التي وصلت إليهم كانت ناقصة أو مشوبة، وهو ما يتنافى مع كمال العدل الآلهي.
تنطلق هذه المقالة في تحليل عميق لحديث الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف: “وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله”. تسعى هذه الدراسة إلى استكشاف مدى إمكانية أن يُفهم هذا الحديث على أنه يشير إلى نوع من العصمة غير المباشرة وحجية لمنهج الأخبارية الجدد. ذلك أن الأخبارية الجدد يعتمدون بشكل أساسي على الروايات الصادرة عن محمد وآل محمد عليهم الصلاة والسلام، ويرون أن قولهم يصبح معصومًا بطريقة غير مباشرة لعلة عصمة المصدر.
فهم الحديث الشريف: “فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا” واختلاف الرؤى
لفهم هذا الحديث الشريف، يجب التوقف عند سياقه ومفهوم لفظة “رواة الحديث”. في الوسط الشيعي، يُفهم هذا الحديث على نطاق واسع كدليل على وجوب التقليد والرجوع إلى العلماء في زمن الغيبة. إلا أن هناك اختلافًا جوهريًا بين فهم الأصوليين والأخباريين الجدد لمن ينطبق عليهم وصف “رواة الحديث”. تطرح هذه النقطة تساؤلاً جوهريًا: كيف من المعقول أن يعين الإمام المهدي (عليه السلام) “حجة” على الناس وهؤلاء الحجج يختلفون ويخطئون في استنباط الأحكام؟
هذا التساؤل يقود إلى فهمين متباينين لمعنى لفظة “رواة الحديث”:
- الرؤية الأصولية: يرى مراجع الشيعة الأصولية أن “رواة الحديث” يشملون المجتهدين الذين يمتلكون أدوات استنباط متعددة كعلم الأصول، وعلم الرجال، والمنطق، وغيرها من العلوم الاجتهادية لاستنباط الأحكام الشرعية من مصادرها. هم ليسوا رواة للحديث بالمعنى الحرفي، بل هم مجتهدون يستخدمون الأحاديث كأداة للوصول إلى الحكم الشرعي، لا أنها الحكم الشرعي بذاته، لأن الحكم الذي وصل إليه المجتهد هو حكم ظني وقابل للخطأ والصواب.
- الرؤية الأخبارية: في المقابل، يرى الأخبارية الجدد أن “رواة الحديث” هم من يلتزمون بالنقل المباشر للأحاديث وتفسيرها بمحكمات الأحاديث، أي تفسير الحديث بالحديث، دون إعمال الرأي أو الاجتهاد أو ترجيح النصوص على بعضها.
بالمحصلة، نكتشف أن المجتهدين الأصوليين بما انهم اقروا بالاجتهاد وإن احاكمهم ظنية، فيستلزم من ذلك أنهم “أصحاب رأي”، بمقابل الأخبارية الجدد الذي ينطبق عليهم لفظة “رواة الحديث” بمعناه الحرفي، لالتزامهم بالنقل المباشر وتفسير الحديث بالحديث نفسه، وهذا لا يعتبر اجتهاد.
عصمة المنهج لا عصمة الأفراد: رؤية الأخبارية الجدد
النقطة الجوهرية تكمن في التمييز بين عصمة المصدر (الاحاديث الشريفة) وعصمة الناقل أو المستنبط. الحديث الشريف معصوم لأنه كلام المعصوم (النبي أو الإمام)، وهذا يعني أن مضمونه الأصلي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. بالنسبة للأخبارية الجدد، طالما أنهم ملتزمون بحديث المعصوم فقط، فإنهم لا يخطئون. العصمة هنا لا تُمنح للفرد بذاته كـ”معصوم”، بل هي عصمة منهجية مستمدة من عصمة النص الذي يُحتج به. إذا خرج الأخباري عن مفهوم الحديث أو أعمل رأيه الشخصي فيه، فإنه يسقط عنه لفظ “رواي حديث”، وبالتالي لا يصبح قوله حجة. بهذا المعنى، يصبح المنهج نفسه – منهج الاعتماد المطلق على الحديث – معصومًا بطريقة غير مباشرة. هو منهج لا يقود إلى الخطأ، لأن الخطأ يأتي من إدخال الرأي البشري أو الاجتهاد غير المستند إلى النص المعصوم.
وفي هذا السياق، يُستشهد بحديث الإمام الصادق (ع) في تفسير قول النبي (ص) “اختلاف أمتي رحمة”:
“إِنَّمَا أَرَادَ اِخْتِلاَفَهُمْ مِنَ اَلْبُلْدَانِ لاَ اِخْتِلاَفاً فِي دِينِ اَللَّهِ إِنَّمَا اَلدِّينُ وَاحِدٌ إِنَّمَا اَلدِّينُ وَاحِدٌ” .
[علل الشرایع ج ۱، ص ۸۵]
هذا الحديث يُشير بوضوح إلى أن الدين واحد لا يقبل الاختلاف في أصوله وأحكامه الجوهرية. فإذا كانت الحجة على الناس هي رواة الحديث، وإذا كان هؤلاء الرواة يخطئون ويختلفون في الفهم، فإن هذا يفتح بابًا للاختلاف في الدين نفسه، وهو ما ينفيه حديث الإمام الصادق (ع). هذا يدفع إلى الاستنتاج بأن الحجة يجب أن تكون معصومة، أو أن يكون منهجها يوصل إلى الحق اليقيني، وهو ما يراه الأخبارية الجدد في الاعتماد على الحديث وحده. هذا الحديث، في نظر الأخبارية، يثبت أن رواة الحديث من المحال أن يكونوا مجتهدين يصيبوا ويخطئوا، فإنما الحجة هي الحق والمتمثل بكتاب الله وحديث المعصوم.
الاجتهاد الأصولي: مصدر الاختلاف ومنافاته للعصمة
المنهج الأخباري الجديد، القائم على حاكمية الحديث وعدم الأخذ بالرأي، هو في جوهره طريقة الرجوع إلى النصوص الدينية وأخذ تفسيرها بفهم الائمة المعصومين عليهم السلام. هذا المنهج يتطلب جهدًا كبيرًا في الجمع بين الأحاديث المتصلة بالموضوع، ودرايتها، والبحث عن الروابط بينها، ومن ثم استخلاص المعنى الشامل لكشف الحكم الحقيقي.
وعلى النقيض، فإن المنهج الأصولي، الذي يعتمد على الإجتهاد بالرأي واستخدام أدوات عقلية متعددة لاستنباط الأحكام، يقود حتماً إلى الاختلاف في الفتاوى. هذا الاختلاف، الذي هو نتيجة طبيعية لإعمال الأدوات البدعية والرأي البشري في فهم النصوص، يتناقض بشكل مباشر مع مفهوم عصمة الحجة ووحدة الدين. فإذا كانت الحجة المعينة من الإمام يمكن أن تخطئ وتختلف، فإن هذا يتنافى مع الهدف الأساسي من تعيين الحجة، وهو إرشاد الناس إلى الحق اليقيني، ويجعل الدين ذليلاً وهزيلاً وعرضة للنقد والسخرية من المخالفين.
إن ما يدعيه الأصوليون من جواز الخطأ في الاجتهاد البشري يتصادم مع أحاديث الائمة عليهم السلام والتي تؤكد أن “الدين واحد” ولا يقبل الاختلاف في أصوله وأحكامه الجوهرية. فكيف يمكن أن تكون حجة الإمام على الناس منهجًا يقود إلى تعدد المذاهب أو الفتاوى المتناقضة؟ هذا الفهم يؤكد أن المنهج الأصولي، بما فيه من اجتهاد بالرأي، يفتقر إلى العصمة المطلوبة في الحجة الإلهية، وبالتالي، فإنه لا يمكن أن يكون هو المقصود بـ”رواة الحديث” الذين هم حجة الإمام على الناس. فالحجة يجب أن توصل إلى الحق اليقيني الذي لا يحتمل الاختلاف، وهو ما يعمل به الأخبارية الجدد في منهجهم.
الخلاصة
يرى الأخبارية الجدد أن “رواة الحديث” هم من يلتزمون بالنقل المباشر للأحاديث وتفسيرها بمحكمات الأحاديث، أي تفسير الحديث بالحديث. هذا التأويل للحديث لا يُعد اجتهادًا أو رأيًا خاصًا كما يُفهم عادة. فالفقيه (الأصولي) قد يفسر الحديث، لكنه يدخل الحديث في “مصنع من البدعيات والأصول والرجال”، مما يخرجه عن معناه الأصلي ويقود إلى التضارب في الفهوم والأحكام. أما التعامل مع الحديث “كخام”، كما هو الحال في الحديث النبوي الشريف أو كلام الأئمة، فيشبه حليب البقر الطبيعي 100% الذي يشربه ابن القرية لينمو بصحة وعافية ويحصل على كامل الفائدة منه. بينما لو أدخل هذا الحليب إلى معمل (الاجتهاد الأصولي)، قد يخرج عن غالب فوائده ومحتواه. فالتعامل مع الحديث بما هو حديث، دون إعمال الرأي أو الاجتهاد الذي لا يستند إلى النص المعصوم، هو الذي يؤدي إلى القول الواحد والدين الواحد، ويمنع تفقد قواعد الدين لخصوصيتها ومعناها.
بناءً على ما تقدم، يمكن القول إن منهج الأخبارية الجدد يستند إلى حجية قول المعصوم وحده، فهو بذلك يُصبح معصومًا في قوله، ويصح عليه لفظ “راوي الحديث”. فإذا ما التزم الأخباري بالحديث فقط، دون تأويله بالرأي أو إعمال أدوات اجتهادية خارج نطاق الحديث، فإن منهجه يُصبح معصومًا بطريقة غير مباشرة، لأن الخطأ يُنسب إلى إدخال العنصر البشري في فهم النص المعصوم. أما من يأخذ الحديث ويؤوله بالرأي الشخصي، فهو مجتهد قد يُصيب وقد يُخطئ، ومحال أن يُعينه الإمام كحجة في زمن الغيبة على الناس، لأن الحجة يجب أن تقود إلى الحق اليقيني الذي لا يحتمل الاختلاف في أصول الدين وأحكامه الجوهرية، وهو ما يتوافق مع غاية الرسالة والشريعة الاسلامية.
