بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد
كلمات أهل البيت (عليهم السلام) ليست مجرّد أحاديث، بل هي أنوارٌ تهبط من سماء الحكمة، لا يدرك معناها إلا من أشرق قلبه بنور الولاية.
ومن أعمق تلك الكلمات قول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام):
“حديثُنا صعبٌ مستصعب، لا يؤمن به إلا ملك مقرّب، أو نبي مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، فما عرفتَموه فخذوه، وما أنكرتُم فَرُدّوه إلينا.”
(الكافي، للكليني، ج١، ص٤٠١)
معنى “صعب مستصعب”
إن الصعب هو ما لا يُدرك بسهولة، والمستصعب ما يُزداد تعقيده على العقول كلما حاولت الإحاطة به، فحديثهم (عليهم السلام) صعب في ذاته، ومستصعب على من لم يُمهّد نفسه بالنية الصافية والإيمان الخالص.
وقد ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام) قوله:
“حديثُنا حديثٌ صعبٌ مستصعب، شريفٌ كريم، ذكوان، ذي فهمٍ، تُنكره القلوب الضعيفة وتُحبّه القلوب القوية.”
(عيون أخبار الرضا للصدوق، ج١، ص٣٠٧)
فهذه الرواية توضّح أن الصعوبة ليست لغزًا لغويًا، بل عمقٌ في الحقيقة الإلهية، لا تطيقه إلا القلوب التي نوّرها الله بالإيمان.
التمييز بين العارف والجاحد
من يؤمن بحديثهم لا يفعله عن عقلٍ فقط، بل عن تجربةٍ روحيةٍ تجعل قلبه في انسجامٍ مع نورهم، أما الجاحد، فينكر لأن قلبه لم يُطهّر بعد، كما قال الإمام الصادق (عليه السلام):
“إنّ حديثنا يُحيي القلوب كما يُحيي المطر الأرض الميتة، فمن قبله فقد قبِل الحياة، ومن ردّه فقد مات قلبه.”
(بصائر الدرجات، للصفّار، ص ٢٢)
فحديثهم حياة، كما أن كلام الله حياة، ومن لم يفقه هذا النور بقي في ظلمة الجدال والشكّ.
سرّ الامتحان الإلهي
الامتحان القلبي الذي ذكره الإمام الصادق (عليه السلام) ليس اختبارًا بالعقل، بل امتحانٌ بالإخلاص والصدق في طلب الحق.
قال الله تعالى:
{أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِن رَّبِّهِ}
(سورة الزمر، الآية ٢٢)
ولهذا قال الإمام الباقر (عليه السلام):
“حديثنا يَستصعبه الناس لأنهم لا يعرفون معانيه، ولو عرفوا تأويله لسجدوا لله شكرًا.”
(بحار الأنوار ، ج٢، ص١٨٩)
فمن لم يُمتحَن قلبه للإيمان، يرى في كلامهم غموضًا، بينما العارف يرى فيه أنوارًا تُهدي وتُنير.
أسرار العلم المكنون
أهل البيت (عليهم السلام) هم خزّان علم الله، وكلّ ما قالوه هو من نور ذلك العلم المكنون.
روى أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام):
“علّمني رسول الله صلى الله عليه وآله ألف باب من العلم، يُفتح لي من كل باب ألف باب.”
(بحار الأنوار، ج٤٠، ص٢٠٥)
وهذا ان دل على شيء فانه يدل عل غزارة علم محمد وآل محمد المتشعب المتصل بعلم الله سبحانه وتعالى، فمن أراد فهم حديثهم فعليه أن يطلب الله من خلالهم، لأنهم باب العلم كما قال النبي (صلى الله عليه وآله):
“أنا مدينة العلم، وعليّ بابها، فمن أراد المدينة فليأتِ الباب.”
(بحار الأنوار، ج٤٠، ص١٩٥)
الخاتمة:
إنّ كلمة الإمام الصادق (عليه السلام) ليست تحذيرًا من الغموض، بل دعوةٌ للترقّي في مدارج الفهم.
هي نداءٌ يقول: طهّر قلبك أولاً، ثم اقترب من حديثنا بنور الإيمان.
فإذا فعلت، سترى أن حديثهم ليس صعبًا، بل نورًا يشرح الصدر ويهدي العقل.
“حديثُنا صعبٌ مستصعب”
لأنّه من نورٍ فوق العقول، لا يُدرك إلا بقلوبٍ امتحنها الله للإيمان،
ومن لم يذق هذا النور، فلن يفهم سرّه مهما حفظ من الكلمات.
