مقدمة
جرى في الآونة الأخيرة في الساحة، الحديث حول البترية ومن هم وكيف يطبق؟ وتعامل الكثير على الواقع الروائي الموجود في التاريخ. أحببت أن أبين لكم كيفية التعامل مع البترية، ومن هم البترية، وكيف نتعامل بالروايات. أبدأ مستعيناً بالله؛ سأعرض لكم بعض التعريفات عن البترية وبعض الروايات وكيف علينا أن نتعامل.
ما قيل في تعريف البترية
أولاً / جاء في تحرير الأحكام للعلامة الحلي (ج3، هامش صفحة 301):
يقول:
”البترية هم أصحاب الحسن بن صالح بن الحي وأصحاب كثير النواء، وإنما سموا بترية لأن كثيراً منهم كان يلقب بالأبتر، يزعمون أن علياً عليه السلام أفضل الناس بعد رسول الله وأولاهم بالإمامة، وأن بيعة أبي بكر وعمر ليستا بالخطأ لأن علياً ترك ذلك لهما، ولا يرون لعلي عليه السلام إمامة إلا عندما بويع”.
إذن، التعريف الأول للبترية يتضمن أربع نقاط حولهم. البترية من هم؟ هم يرون علياً أفضل الناس بعد رسول الله، ولا يرونه إماماً (هناك فرق بين الأفضلية والإمامة)، وإنما يرونه أفضل الناس بعد رسول الله، وأن بيعة أبي بكر كانت صحيحة لأنه ترك لهم ذلك، وهذا كذب لأن علياً لم يترك لهما ذلك، ويرون أن علياً لم يكن مستحقاً للخلافة إلا بعدما بويع له؛ يعني عندما بويع له أصبح علي عليه السلام هو المستحق للخلافة.
إذاً بهذا اللحاظ: علي أفضل الناس، وأبو بكر وعمر بيعتهما صحيحة وحسب زعمهم أنه ترك لهما الخلافة، وعلي لم يكن مستحقاً للخلافة إلا بعدما بويع له. وهذا التعريف الأول للبترية. واليوم إذا تُطبق هذا التعريف على منطق البترية اليوم، ما تجد أحداً من الشيعة يقول لم يكن أمير المؤمنين مستحقاً للخلافة، مهما تذهب لأي شخص فسدت عقيدته، وعلى كلٍ لا يقولون هذا في هذا التعريف الأولي.
وهل بهذا التعريف يعني انتهى ولفظ البترية لفظ خاطئ متداول؟ وعندما نفيت أن الشيعة لا يقولون بأن الإمام علي مستحق كخليفة رابع، إلا ممكن شخص أو اثنين من نصف مليار شيعي مثل ياسر عودة أو أمثاله.
تحرير الأحكام للعلامة الحلي (ج4، هامش صفحة 578 إلى 591):
قال الطريحي:
”البترية فرقة من الزيدية، قيل نسبوا إلى المغيرة بن سعد ولقبه الأبتر، وقيل البترية هم أصحاب كثير النوى، الحسن بن أبي صالح…” إلى أن يقول: “…وهم الذين دعوا إلى ولاية علي عليه السلام فخلطوها بولاية أبي بكر ويثبتون الإمامة لهم، ويبغضون عثمان وطلحة والزبير وعائشة”.
إذاً، التعريف الأول كانوا يرون أن علياً أفضل الناس لكن إمامة أبي بكر وعمر صحيحة وعلياً ترك لهما ذلك وعلياً لم يكن مستحقاً للإمامة (وليست الأفضلية) إلا عندما بويع، هذه في التعريف الأول. أما في التعريف الثاني لا، يقول هي فرقة من فرق الزيدية خلطوا عملاً صالحاً وقالوا بولاية علي بن أبي طالب وقالوا بولاية أبي بكر أيضاً، يعني هذا الأمر خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وبنفس الوقت يرون أن عثمان وعائشة والزبير كانوا (طايح حظهم) لأنهم بنفس الوقت يبغضون عثمان وعائشة وهؤلاء، ولكن بنفس الوقت يعتبرون أبا بكر وعمر ويوالونهما.
التعريفات فيها شيء من الصحة، والقضية مؤذية في التعامل مع روايات أهل البيت عليهم السلام، وهذا واحد من الأخطاء المنهجية في الحوزة إخواني الكرام، أخطاء شائعة. أنت في الحوزة لماذا لا تدرس هذه الروايات وتشرحها للناس؟
والله وبالله وتالله، هؤلاء النواصب النشطاء الذين ترونهم على الساحة واليوتيوبرية انتشروا بجهلهم، انظر كيف كلامي دقيق؛ يعني شهرتهم بجهلهم، وسيأتي يوم أثبت لكم، إما تقولون الشيخ يرى نفسه كثيراً وإلا لا والله أنا متواضع ولكن أرى ظلامة، مو قضية شخص يرى نفسه، نحن لسنا بحلبة مصارعة ولكن أرى ظلاماً، وسيأتي يوم وترون بجهلهم اشتهروا. طيب إذا هذا جاهل اشتهر بجهله، طيب كيف هذا المعمّم أصبح ضحية من ضحايا الحوزة؟ لماذا أنتم لا تتعاملون مع الروايات؟ ولماذا هذه التعريفات لا تتطابق مع الروايات؟ فيها انسجام ولكن ترى لأنها مخترقة من الأفكار الناصبية، يعني هذه التعريفات ليست مبنية على روايات أهل البيت عليهم السلام.
طالب العلم في الحوزة عندما يُعرض، والأستاذ المملوء بالعلم والمصطدم بروايات أهل البيت مباشرة سيقول: هذا التعريف فيه شيء من الصحة ولكن ليس مطابقاً لروايات أهل البيت 100%، نحن نعمل ونتعامل مع روايات أهل البيت 100%، لماذا نخلط مع روايات أهل البيت وندخل القليل من الأفكار الناصبية أو من روايات الناصبة في تعريف البترية؟
حتى أكون منصفاً، التعريف الثاني قريب للرواية ولكن لا يطابقها مئة بالمئة. نحن المفروض نتعامل ونتعرف على البترية وفق الرواية، وليس على وفق ما يرويه النواصب أو ما جاء في روايات النواصب، لذلك أنا أتألم؛ التعريف الأول بعيد عن ذكر أهل البيت وليس له علاقة برواية أهل البيت، تقرأ التعريف شكلاً وتقرأ الرواية معنىً آخر، التعريف الثاني قريب على الرواية ولكن ليس مطابقاً لها، وأيضاً هذا المفروض لا يحصل لأننا نحن المفروض نتعامل مع
روايات أهل البيت عليهم السلام
في من لا يحضره الفقيه (ج4، ص544 إلى 545):
دخلت على أبي جعفر ومعي سلمة بن كهيل، وكثير النوى، وجماعة منهم، وعند أبي جعفر عليه السلام أخوه زيد بن علي، فقالوا لأبي جعفر عليه السلام: نتولى علياً وحسناً وحسيناً ونتبرأ من أعدائهم؟ قال: “نعم”، قالوا: فنتولى أبا بكر وعمر ونبرأ من أعدائهما؟ قال: فالتفت إليهم زيد بن علي عليه السلام فقال: “أتتبرأون من فاطمة عليها السلام؟ بترتم أمرنا بتركم الله”، فيومئذ سموا البترية.
زيد بن علي وهو جالس أمام المعصوم يعتبر فاطمة عدواً لأبي بكر حسب هذا الكلام، وهذا عندما قال: “نوالي علياً وأولاده ونتبرأ من أعدائهم” قال: “نعم”، ثم قالوا: “نتولى أبا بكر وعمر ونتبرأ من أعدائهما”، زيد بن علي التفت إليهم قال: أنتم كيف تتبرأون من فاطمة؟ والتي بهذا المفهوم أن فاطمة عدوة لأبي بكر؛ لأن هذا قال: “نتبرأ من أعداء أبي بكر وعمر”، وإنما ذكر فاطمة لأنها رمز العداء لأبي بكر وعمر بهذا اللحاظ.
كلمة البترية؛ هذا أنا الذي يهمني، تعريف غير مطابق للرواية عندما قالوا البترية ليس لأنهم نسبوا إلى المغيرة بن سعد ولقبه الأبتر، هذا السم -وأنا دائماً أؤكد به عليكم- سم في مضخة وزرقوها في الفكر الشيعي، لأن هذا يريد أن يقلل من معنى البتر. بترية نسبة إلى المغيرة بن سعد ولقبه الأبتر هذا خطأ، بل بترية لأن المعنى البتري الواقعي ليس نسبة لأحد، أو أن كثير النواء كان يلقب بالأبتر وسموا بالبترية، أبداً التعريف غير مطابق للرواية. إخواني الكرام انتبهوا؛ هذه إذا نسبوا لفظة البتر لشخص معين، هدموا المعنى الرئيسي في معنى البتر، لأنه بهذا المعنى ما بتروا شيئاً، وإنما سموا بالبترية نسبة إلى لقب فلان أنه أبتر وهم أتباعه، هل تعرف هذا ما معناه؟ بلعوا المعنى وخففوا الوطأة. إذاً ماذا يعني؟ الرواية تقول قال لهم: “بترتم أمرنا بتركم الله” يعني أنتم ما سميتم بترية نسبة إلى كثير النواء أو المغيرة لأنه بتري، لأن حتى ذاك تعريفه؛ كثير النوى ما عندنا واحد بالشيعة يقول بأفكاره صراحة، ولا المغيرة بن سعد لقبه الأبتر قال يوالي علياً ويوالي أبا بكر ويتبرأ من أعدائهما، وهذا حتى لو كان مطابقاً إذا تتبعته بناءً على لقبه فالمعنى الحقيقي في البتر خففوا وطأته؛ لأنه عندما يقال بتري لأن المغيرة بن سعد لقبه بتري فهؤلاء كانوا على أفكاره، هذا خطأ الكلام، بل أنت تصطدم بالبتري بالمعنى الحقيقي وهو بتر حق أهل البيت عليهم السلام.
”وروى بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لو أن البترية صف واحد ما بين المشرق والمغرب ما أعز الله بهم ديناً”.
الإمام يقول لكم بهذا الحديث لو أنهم بالآلاف واصطفوا ما بين المشرق والمغرب ما يعز الله بهم ديناً، إذاً أيها الإمام الصادق ماذا تريد؟ يريدك أن تكون رافضياً مو بترياً، واحد من الروافض يعز الله به الدين. إذاً سأرجع حتى أبين:
في الكافي للكليني (الجزء الثامن، صفحة 239) في الروضة:
عن أبي بصير قال: كنت جالساً عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخلت عليه أم خالد التي كان قطعها يوسف بن عمر تستأذن عليه، فقال أبو عبد الله عليه السلام: “أيسرك أن تسمع كلامها؟” فقلت: نعم، فقال: “أما الآن فأْذن لها”، قال: وأجلسني معه على الطنفسة، ثم دخلت فتكلمت فإذا امرأة بليغة، فسألته عنهما -عن أبي بكر وعمر- فقال لها: “أتتولينهما؟” قالت: فأقول لربي إذا لقيته إنك أمرتني بولايتهما، قالت: فإن الذي معك على الطنفسة يأمرني بالبراءة منهما، وكثير النوى يأمرني بولايتهما، فأيهما خير وأحب إليك؟ قال: “هذا والله أحب إلي من كثير النوى وأصحابه، إن هذا يخاصم فيقول: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون”.
يوسف بن عمر كان والياً من ولاة الحجاج، أبو عبد الله عليه السلام كان جالساً مع أبي بصير ودخلت عليه هذه المرأة أم خالد، الإمام قال لأبي بصير: “أيسرك أن تسمع كلامها؟” أو تحب أن تسمع ماذا تقول؟ وجلسا على الطنفسة وهو الفراش أو مقعد معين، وسألت الإمام أبا عبد الله عن أبي بكر وعمر، يعني: يا أم خالد أنتِ هل تتولين أبا بكر؟ -يسألها علامة استفهام- وعمر؟ هو الإمام ما قال لها تولي أبا بكر وعمر، فهي في قلبها راغبة أن توالي أبا بكر وعمر فأرادت حجة، وقالت: إذا لقيت ربي أقول له إن أبا عبد الله أمرني بولاية أبي بكر وعمر. وقالت: الذي معك -أبو بصير- يأمرني بالبراءة منهما يا أبا عبد الله. الرفض من ذلك الزمن!
إذاً، تجمع كل هذا المعنى مع التعريفات ماذا تستنتج؟ أن البترية تعريف مطاطي، “بترتم أمرنا بتركم الله” هذا هو النص. المعنى مع رواية الكافي: التبري من أبي بكر وعمر؛ تتولد عندك حالة البترية، لا تأتي تعرفها نصاً إذا كانت هناك حالة مطابقة للتعريف الموجود، لأنه لا يأتي شخص الآن من الشيعة ويقول علي خليفة رابع، كل الشيعة يقولون علي خليفة أول، لا تستطيع أن تطبق تعريف البترية الموجود في ذلك الزمن على واقعنا في هذا الزمن، ولكن هذا تعريف وضعي ليس تعريفاً مع رواية أهل
البيت، رواية أهل البيت يقول لهم: “بترتم أمرنا بتركم الله” يعني تعريف البترية تعريف مطاطي، لا يمكن التعامل مع التعريف المطابق للواقع إلا 100% حتى يصدق عليه بتري
إذاً ما هو تعريف البترية وفق الروايات؟
تستطيع بكل سهولة أن تعرف مَن البتري أو غير البتري؛ إذا رأيت شخصاً تقول له: هل تتبرأ من أبي بكر وعمر؟ هل أبو بكر وعمر كافران أم لا؟ هذان السؤالان يحددان المقابل، وجوابه يحدد بتري أم لا. وترون الآن معممين يقولون أبو بكر وعمر غير كافرين، ومن هذه الأمور وأخطأوا ومن هذه (الكلاوات)، هذا بتري الآن وفق هذه الروايات. ما معنى البتري؟ كل من يتنازل عن حق أهل البيت بمقدار شعرة، ولا يضع أبا بكر وعمر في مكانهما الصحيح فهو بتري، لو كانت أمي تقول بهذا فهي بترية، أو أبي يقول بهذا فهو بتري، أي شخص يتنازل عن حق أهل البيت بمقدار شعرة فهو بتري، اللهم اشهد وصاحب العصر والزمان يشهد، هذا تعريف البتري.
كم شخص الآن من الشيعة بتريون؟ تستطيع بكل سهولة أن تعرف من البتري أو غير البتري؛ إذا رأيت شخصاً تقول له: هل تتبرأ من أبي بكر وعمر؟ هل أبو بكر وعمر كافران أم لا؟ هذان السؤالان يحددان المقابل، وجوابه يحدد بتري أم لا. إذا لم يقل كافران فهذا بتري. وبعد أمر، إذا لم يضع أهل البيت في مكانهم الصحيح ومقامهم الصحيح -أن غاية الخلق إلى الأئمة وحسابهم على الأئمة، وارجع إلى الشرح الذي شرحته لا تأخذ بظاهره- إذاً ما لم يضع أهل البيت في مكانهم الصحيح فهو بتري، إذاً سترى مستوى البتري كم هو قوي، بعد كم عالم مرجع شيعي بتري وما أكثرهم؟ وكيف بسبب علم الرجال يضعفون مظلومية الزهراء فهم بترية! هذا “بترتم أمرنا بتركم الله” فهو هذا البتري.
