الشمس، واختلاف الفلاسفة في وضعها، وشكلها، ومقدارها

أغسطس 20, 2026

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

من أحاديث الإمام الصادق (صلوات الله عليه) لتلميذه المفضل بن عمر (رضوان الله تعالى عليه) :«فمن ذلك هذه الشمس التي تراها تطلع على العالم، ولا يوقف على حقيقة أمرها، ولذلك كثرت الأقاويل فيها واختلفت الفلاسفة المذكورون في وصفها، فقال بعضهم: هو فلك أجوف مملوء نارًا، له فم يجيش بهذا الوهج والشعاع، وقال آخرون: هو سحابة، وقال آخرون: هو جسم زجاجي يقل نارية في العالم ويرسل عليه شعاعها، وقال آخرون: هو صفو لطيف ينعقد ماء البحر، وقال آخرون: هو أجزاء كثيرة مجتمعة من النار، وقال آخرون: هو من جوهر خامس سوى الجواهر الأربعة. ثم اختلفوا في شكلها، فقال بعضهم: هي بمنزلة صفيحة عريضة، وقال آخرون: هي كالكرة المدحرجة، وكذلك اختلفوا في مقدارها، فزعم بعضهم أنها مثل الأرض سواء، وقال آخرون: بل هي أقل من ذلك، وقال آخرون: بل هي أعظم من الجزيرة العظيمة، وقال أصحاب الهندسة: هي أضعاف الأرض مائة وسبعين مرة. ففي اختلاف هذه الأقاويل منهم في الشمس دليل على أنهم لم يقفوا على الحقيقة من أمرها. فإذا كانت هذه الشمس التي يقع عليها البصر ويدركها الحس قد عجزت العقول عن الوقوف على حقيقتها، فكيف ما لطف عن الحس واستتر عن الوهم؟ فإن قالوا: ولم استتر؟ قيل لهم: لم يستتر بحيلة يخلص إليها كمن يحتجب من الناس بالأبواب والستور، وإنما معنى قولنا استتر أنه لطف عن مدى ما تبلغه الأوهام، كما لطفت النفس وهي خلق من خلقه وارتفعت عن إدراكها بالنظر. فإن قالوا: ولم لطف تعالى عن ذلك علوا كبيرًا؟ كان ذلك خطأ من القول، لأنه لا يليق بالذي هو خالق كل شيء إلا أن يكون مباينًا لكل شيء متعاليًا عن كل شيء، سبحانه وتعالى.»
(توحيد المفضل بن عمر – ص 217)

يُبيّن الإمام الصادق (عليه السلام) أن عجز الإنسان عن الإحاطة بحقيقة بعض المخلوقات المشهودة بالحس يكشف محدودية أدواته في المعرفة، فالشمس التي تراها الأبصار وتدركها الحواس قد اختلفت العقول في حقيقتها وشكلها ومقدارها، مما يدل على أن مشاهدة الشيء لا تستلزم الإحاطة بحقيقته. فإذا كان هذا شأن مخلوق ظاهر تدركه الحواس، فكيف بالخالق سبحانه وتعالى الذي لا تحده الحواس ولا تحيط به الأوهام؟ وليس معنى استتاره سبحانه أن بينه وبين خلقه حجابًا ماديًا، وإنما هو منزه عن أن تبلغه العقول بحدودها، أو تحيط به الأوهام بقياسها، كما أن النفس، وهي من خلقه، لا تُدرك حقيقتها بمجرد النظر إليها. ومن هنا يظهر أن عجز العقل عن الإحاطة بالخالق ليس دليلًا على غيابه، بل هو شاهد على عظمته وتنزهه عن صفات المخلوقين، إذ إن الذي خلق كل شيء لا يصح أن يكون محصورًا في حدود شيء من خلقه، فسبحانه المتعالي عن كل شيء، والمباين لكل شيء، الذي تقصر العقول عن الإحاطة بكنهه وتدل آثاره على عظيم قدرته وحكمته.»

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً