بسم اللهِ الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أتم حجتهُ بوليه، وجعل القائم من آلِ محمدٍ ميزان الحق في خلقه،
وصلى الله على محمد وآل محمد، العهدِ المأخوذِ في عالم الذر، وعلى بقية اللهِ في أرضه، الإمامِ المهدي (عليه السلام)، به يتم الإقرار،
وبه يستعلنُ العدل، وبه يقام الدين كما أُنزل.
مقدمة حول أهمية الموضوع والدفاع عن العقيدة:
هذا الموضوعَ يشغلُ أذهانَ الكثيرِ من الشيعةِ والخصوم (النواصبِ) الذين يروجون أن المعصومَ لا يمكن أن يتلفظَ بألفاظ معينة، مشيراً إلى أن كشف هذه الحقائقِ يأتي من باب الدفاع عن العقيدةِ والإخلاص بعيداً عن “شعاراتِ الوحدة الإسلامية” التي أدت لنتائج سلبية، ويتساءل البعض كيف يمكنُ للإمام عليٍّ (عليهِ السلامُ) وهو المعصومُ مفترضُ الطاعة أن يصفَ خالد بنَ الوليد بهذا الوصف، وهل كان خالدٌ مستحقاً لذلك، وكيف لمجتبى الشيرازيِّ أن يتلفظ بهذه الألفاظ.
التمييزُ بين اللغة الشرعية واللغة السوقية:
إنَّ القرآن الكريمَ أدبَ المسلمين بكلمات قد تبدو محرجة باللغةِ العامية لكنها مشروعة وفقهية، مثلِ لفظ “النِّكاحِ” الذي يستخدم في الكتب الفقهيةِ والآيات القرآنية دون حرجٍ، وأكدَ الشارعَ المقدسَ وضعَ هذه الألفاظ (مثل النكاحِ أو المجامعةِ) كـ “مفاتيح للأدبِ” للتعبيرِ عن وقائع معينة بوقار وأخلاق، وهي مستخدمة في المباحث الفقهيةِ عند الجميع.
الإشكالُ يقع فقط عند ترجمة هذه الألفاظ الشرعية إلى لغةِ الشارعِ (اللغةُ السوقية)؛ فلفظ “النكاحِ” إذا قيل بالعاميةِ يصبح كارثة، بينما هو في السياقِ الشرعي لفظ وقورٌ، فإنَّ قول الإمام عليٍّ لخالد بن الوليد ليس “قولاً فاحشاً”، لأنَّ الفحش يكون باستخدامِ الألفاظ القذرة المتداولة في السوق، أما الإمامُ فقد استخدمَ وصفاً لحالةٍ بلغةٍ شرعية عقلائية لبيان واقعة معينة.
(مؤامرةُ اغتيال الإمام عليٍّ):
«وقال أبو بكر قال لخالد بن الوليد : إذا انصرفت من صلاة الفجر فاضرب عنق علي، فصلى إلى جنبه لأجل ذلك وأبو بكر في الصلاة يفكر في العواقب فندم فجلس في صلاته حتى كادت الشمس تطلع يتعقب الآراء ويخاف الفتنة ولا يأمن على نفسه، فقال قبل أن يسلم في صلاته : يا خالد لا تفعل ما أمرتك به – ثلاثا – فالتفت علي (عليه السلام) فإذا خالد مشتمل على السيف إلى جانبه فقال: يا خالد ما الذي أمرك به ؟ قال : بقتلك يا أمير المؤمنين قال : أو كنت فاعلا ؟ فقال، أي والله لولا أنه نهاني لوضعته في أكثرك شعرا فقال له علي (عليه السلام) : كذبت لا أم لك من يفعله أضيق حلقة است منك، أما والذي فلق الحبة وبرئ النسمة لولا ما سبق به القضاء لعلمت أي الفريقين شر مكانا واضعف جندا»
(الاحتجاج – الشيخ الطبرسي – ج ١– ص ١١٨)
أنَّ أبا بكرٍ وعمر اتفقا مع خالد بن الوليد على قتل الإمامِ عليٍّ (عليهِ السلامُ)، وهي رواية تكشف طبيعة العلاقة الحقيقيةِ بين الأطراف في ذلك الوقتِ، وقد علمت أسماءُ بنت عميس بالمؤامرةِ وحذرت الإمام، وفي صلاة الفجر، تردد أبو بكرٍ في تنفيذ الخطةِ خوفاً من الفتنةِ، فقال قبل أن يسلم من صلاتِه: “يا خالد لا تفعل ما أمرتك به”.
وعندها التفت الإمام عليٌّ لخالدَ الذي كان ممتشقاً سيفه، وسأله إن كان فعلاً سيفعلُ ذلكَ، فأجابَ خالدٌ: “إيْ واللهِ لولا أنَّه نهاني”، فجاء ردُّ الإمامِ الحازمِ: “كذبتَ، لا أمَّ لكَ مَن يفعلهُ أضيقُ حلقةَ استٍ منك”
استحقاقُ خالد بن الوليد للوصف من منظور عقدي:
إنَّ خالدَ مستحقٌّ لهذا الوصفِ بناءً على رواياتٍ تشيرُ إلى أنَّ مبغضَ أهلِ البيتِ (عليهمُ السلامُ) يتصفُ بصفاتٍ معينةٍ (مأبونٍ أو منكوحٍ)،والدليلُ بروايةٍ عن الإمامِ الصّادقِ (عليهِ السلامُ) تؤكدُ أنَّ من يرضى بتسميةِ غيرِ عليٍّ بـ “أميرِ المؤمنينَ” لا يكونُ إلا كذلكَ، وبما أنَّ خالدَ كانَ مبغضاً لعليٍّ ومشاركاً في المؤامرةِ ضده، فإنَّ وصفَ الإمامِ له كانَ شهادةً ووصفاً لواقعِ حالهِ.
تفاصيلُ الخلافِ حولَ “الأشجعِ بن مزاحمِ الثقفيِّ”:
في قصةٍ أخرى تعمق فهم الصراع؛ حيثُ قلد أبو بكرٍ رجلاً يسمى “الأشجعَ بنَ مزاحمِ الثقفيِّ” جمع الصدقات، فاعتدى على أموالٍ وقرى تابعة لأهلِ البيتِ، فخرجَ إليه الإمام عليٌّ وقتله، مما أغضب أبا بكر الذي طلب من شجعان الصحابة الخروج لمواجهة عليٍّ، فرفضَ الجميع خوفاً من بأسِه، إلا خالد بن الوليد الذي تطوع لمواجهتهِ.
المواجهة الأخيرة بين الإمامِ وخالد:
هدد خالد الإمام علياً بأنهُ سيأخذه أسيراً إلى أبي بكر، فرد عليه الإمام مذكراً إياهُ بجرائمِه: ” ويلك تحسبني مالكَ بنَ نويرةَ حيث قتلته ونكحتَ امرأتَه”، وأكدَ لهُ أنّهُ يعرف قاتله الحقيقيَّ(في إشارةٍ للغيبِ) وأنَّ خالدَ لا يقدرُ عليهِ، واتهمَ الإمامُ خالداً بالخيانةِ والناكثيةِ رغمَ معرفتِهِ بالحقِّ في يومِ الغديرِ.
تقييم موقف السيد مجتبى الشيرازي:
أمّا السيد مجتبى الشيرازي، أنّه “اجتهدَ فأخطأَ” في استخدامه للألفاظ السوقية (لغةِ الشارعِ) لتفسير الرواية، وكانَ عليهِ البقاء ضمن حدود اللفظ الشرعي الوارد، ومع ذلك، إنَّ للسيد الشيرازي فضل كبيرٌ في “إحياءِ هذهِ الروايةِ”؛ فلولا طريقته الحادة في الطرح لبقيت هذه الرواية منسيةً أو مخفية بسبب الحياء أو الخوف، وبذلك ساهم في إيصال هذه الحقيقة التاريخية للناس كافة.
يمكن فهم الفرقِ بينَ اللفظين من خلال تشبيه المصطلحات الطبية الجراحية؛ فبينما يستخدم الأطباء كلمات دقيقةً لوصف أعضاء الجسم أو حالات معينة في سياق علمي وضروري، فإنَّ استخدامَ نفسِ هذه الكلماتِ في “سوقٍ شعبي” قد يُعتبرُ خروجاً عن الأدبِ، وهذا هو الفرق بينَ لفظ الإمام الشرعي وتفسير السيد الشيرازي السوقي.
