تحدثت سابقاً عن الكافي وصحة رواياته، وعرضت ما طرحه الشيخ الكليني (رحمه الله) في مقدمة كتابه. اليوم سأناقش نظرية الخوئي والأدلة التي تعرض لها، والذي هو بنفسه لم يتأكد منها لأنه حملها في العلية؛ أي قال لعله الظاهر، مجرد استذواق للمسألة في محاولة تضعيف روايات الكافي الشريفة.
جاء في معجم رجال الحديث للسيد الخوئي يقول: “وسمعت شيخنا الأستاذ الشيخ محمد حسين النائيني في مجلس بحثه يقول إن المناقشة في إسناد روايات الكافي حرفة العاجز، وقد استدل غير واحد على هذا القول بما ذكره محمد بن يعقوب في خطبة كتابه: أما بعد فقد فهمت يا أخي ما شكوت”. نفس العبارة التي أنا ذكرتها من مقدمة الكافي الشريف والتي استدل بها الكليني على صحة رواياته يقول: “لاختلاف عللها وأسبابها”، شرحته تفصيلاً وتستطيعون الرجوع إلى تلكم المسألة. فيقول السيد الخوئي بعد أن يستعرض مقدمة الكافي الشريف، والتي طرحها الكليني في المقدمة الماضية التي ذكرتها والتي يستدل بها راداً على أحد العلماء الذين طلبوا منه أن يكتب كتاباً وافياً شافياً، يقول الخوئي: ووجه الاستدلال؛ يعني وجه الاستدلال أنه كيف استدل على أن صحة روايات الكافي صحيحة، وكما قلت لكم أخوتي الكرام هو يبين أن محمد حسين النائيني أستاذ السيد الخوئي. (ج١، ص٨١_٨٣)
يقول: البحث في سند رواية الكافي حرفة العاجز، والله كلامه صحيح. السيد الخوئي يقول: وجه الاستدلال أن السائل إنما سأل محمد بن يعقوب تأليف كتاب جامع لفنون علم الدين بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام)، ومحمد بن يعقوب قد لبى دعوته فألف له كتاب الكافي. يقول: والظاهر أنه كتب الخطبة بعد إتمام الكتاب وقال: وقد يسر تأليف ما سألت، فهذه شهادة من محمد بن يعقوب بأن جمع ما ألفوا في كتابه من الآثار الصحيحة عن الصادقين (سلام الله عليهم).
أقول: الآن نحن لا شأن لنا بذلك، سواء كان الشيخ الكليني كتب الكتاب بعد ما سُئل وكتب الخطبة أو قبلها لا يضر، النتيجة واحدة.
يقول: أما ما ذكره -هذا قول الخوئي- من أن الظاهر أن الخطبة قد كتبها محمد بن يعقوب بعد تأليف كتاب الكافي فغير بعيد، بل هو مقطوع به في الجملة لقوله: ووسعنا قليلاً كتاب الحجة. يعني ماذا معناه ووسعنا قليلاً كتاب الحجة؟ يعني أنه عندما رد على ذلك الذي سأله شرح له ما في الكتاب وقال له قد أوسع فيه كتاب الحجة وإلى آخره، وهذا يدل على أنه ألف الكتاب، وإلا كيف عرف الكليني أنه قام بتوسيع كتاب الحجة أو مباحث الحجة لو لم يكن قد ألف الكتاب فعلاً ثم قام بالرد عليه؟ يقول: وأما ما ذُكر من شهادة محمد بن يعقوب بصحة جميع روايات كتابه وإنها من الآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام) فيرده. أولاً انظروا الخوئي ماذا يقول:
الاستدلال على أن -يعني الآن السيد الخوئي أيد طرحي وأيد قولي بأن الشيخ الكليني كان يرى كتابه صحيحاً لأنه هنا يقول في نص عبارته- يقول: وأما ما ذكر من شهادة محمد بن يعقوب بصحة جميع روايات كتابه وإنها من الآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام) فيرده؛ يعني يرد على هذا الكلام أنه يريد أن يضعف روايات الكافي الشريفة.
انظروا ماذا يقول:
أولاً: إن السائل إنما سأل محمد بن يعقوب تأليف كتاب مشتمل على الآثار الصحيحة عن الصادقين (سلام الله عليهم) ولم يشترط عليه أن لا يذكر فيه غير الروايات الصحيحة. لماذا سيدنا؟
انظروا كلام الخوئي ماذا يقول: بأن السائل عندما سأل الكليني أن يؤلف له كتاباً لم يشترط عليه أن لا يذكر فيه غير الرواية الصحيحة، وهذا تعليل ضعيف جداً. نسأل الحائط ونسأل هذا الخشب إن كانوا ينطقون، ما أرى أضعف من تعليل الخوئي والله العلي العظيم، أضعف تعليل بل تعليل ليس بمحله تماماً.
لا أريد أن أقول عليه رحمة الله تعالى عليه، ما هو السبب؟ السائل ماذا سأل من محمد بن يعقوب الكليني؟ أنا لماذا قلت لكم تابعوا المحاضرة؟ لأنها مرتبطة بالأخرى. لنرجع، ماذا سأله؟ قال له قد أشكلت عليك، وذكرت أن أموراً قد أشكلت عليك. هذا قول الكليني راداً على مَن؟ على الذي طلب منه أن يؤلف الكتاب: لا تعرف حقائقها لاختلاف الرواية فيها وإنك تعلم أن اختلاف الرواية فيها لاختلاف عللها وأسبابها، وإنك لا تجد بحضرتك من تذاكره وتفاوضه ممن تثق بعلمه فيها، وقلت إنك تحب أن يكون عندك كتاب كافٍ يجمع فيه من جميع فنون علم الدين.
هذا قول الكليني (رحمة الله تعالى) للعالم الذي طلب منه أن يؤلف كتابه.
بالله عليكم، هل يوجد غير طريق أن يكون مراد السائل إلا أن يسأل الروايات الصحيحة؟ يعني هذا كيف نجعله ينسجم مع قول السيد الخوئي حيث يقول: إن السائل إنما سأل محمد بن يعقوب تأليف كتابه مشتملاً على الآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام) ولم يشترط عليه أن لا يذكر فيه غير الرواية الصحيحة؟ كيف لا يشترط عليه؟ هو أصلاً طلب من عنده كتاباً صحيحاً ليرفع تلكم الشبهات، لأن الكليني لو كان لم يذكر في كتابه إلا الصحيح ما عندنا غير طريق، لا يوجد طريق آخر إلا هذا الطريق. لو كان الشيخ الكليني (رحمة الله تعالى عليه) يكتب ويضع روايات غير صحيحة في كتابه لن يحقق المعنى الذي طُلب منه وسوف يكون عبثاً، لماذا؟
لأنه سوف يكون في كتاب الكليني أمور يُشكل عليها لا تعرف حقائقها لاختلاف الرواية واختلاف عللها وأسبابها، وهذا كل الإشكال الذي طرحه على الكليني. إذن الكليني (رحمة الله تعالى عليه) إذا يعيد نفس القضية ويضع روايات غير صحيحة في كتابه الكافي سوف يصبح عبثاً ولن يحقق المعنى الذي أراده من عنده السائل، وسيقع بنفس المشكلة، وسيقع باختلاف العلل والأسباب واختلاف الرواية وإلى آخره مما ذكرته. إذن ما هو الطريق؟ما هو المعنى الذي حققه الكليني عند كتابته كتاب الكافي ولماذا سماه الكافي؟
هنا يقول: كتاب كافٍ يجمع فيه من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام).
كيف ينسجم هذا مع تعليل السيد الخوئي: لعله -ما هي لعله؟- أن السائل لم يشترط عليه أنه يذكر روايات ضعيفة! بالله عليكم الآن نحن لو نسأل أي أحد؛ يعني هل من المعقول أن السائل يطلب من الكليني أن يضع له رواية ضعيفة؟ إلى من تقولون هذا الكلام؟ هل من المعقول بنحو من الأنحاء السائل الذي اشتكى عند الكليني بقول الكليني: أما بعد فقد فهمت يا أخي ما شكوت، شكوى إلى مَن؟ للكليني.
ما هي الشكوى؟ وذكرت أن أموراً قد أشكلت عليك لا تعرف حقائقها لاختلاف الرواية فيها وإنك تعلم أن اختلاف الرواية فيها اختلاف عللها وأسبابها.
هل هذا الذي يشكو عند الكليني، هل عنده حظ بسيط أن يطلب من الكافي أن لا يكون كتابه صحيحاً؟ أن يطلب من الكافي أن يكون فيه روايات ضعيفة؟ أن يطلب من الكافي فيه روايات تختلف باختلاف العلل والأسباب؟ ما هي جدوى الكليني من قال له: إنك تحب أن يكون عندك كتاب كافٍ يجمع فيه من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم ويرجع إليه المسترشد ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل بالآثار الصحيحة عن الصادقين؟ هذا الكلام يدل على أن الكتاب ضعيف؟ لا توجد ولا رواية ضعيفة، لم تحقق المعنى الذي أراده الكليني ولا تحقق الجواب الذي أراده السائل، لأن الكليني لو وضع أحاديث ضعيفة في كتابه لأصبح عبثاً ليس بعده عبث، ما السبب؟
لأنه لن يحقق مطلب السائل. عبارة الكليني أكبر نقيض للكليني، لا تنسجم عبارته هذه مع كون الكافي فيه رواية ضعيفة، لا يتحقق أصل هذا المعنى، لا يمكن؛ لأن الكليني يقول لو وضعت لك كتاباً كافياً بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام) والسنة القائمة العمل عليه بها يؤدي فرض الله، هذا الكلام ما يعطيك مجالاً لأن يكون هناك رواية ضعيفة في الكافي الشريف، لن يكون هناك مجال أصلاً.
لذلك ترى الخوئي يقول:
فيرده إن السائل إنما سأل محمد بن يعقوب تأليف كتاب مشتمل على الآثار الصحيحة عن الصادقين (سلام الله عليهم) ولم يشترط عليه أن لا يذكر فيه غير الرواية الصحيحة أو ما صح عن غير الصادقين (عليهم السلام).
هذا الكلام لا يقبله العقل؛ لأنه كيف أنت تتوقع إذا السائل لم يطلب من الكليني، فرضاً وهو طلب من عنده.
والله لا أدري كيف أشرحه من كثرة وضوح المسألة، أريد أن أوضح أكثر من هذا لكني لا أستطيع. هو السائل سأل الكليني أن يكتب له كتاباً يكشف عنه الأمور الغير واضحة، يكشف عنه القضايا التي تكون غير واضحة. فعلى سبيل المثال: روايتان تختلفان باختلاف العلل والأسباب وإلى آخره، فكيف أنه ما يطلب من عنده كلاماً غير صحيح؟ ولنفترض تنزلاً أنه لم يشترط، يعني إذا لم يطلب من عنده يقول له يا كليني أريد منك كتاباً تكتب لي روايات توضح لي الأمور، معنى هذا الكليني يجب أن يضع له روايات غير صحيحة؟ طيب، الكليني إذا وضع له روايات غير صحيحة ما هو معنى كلامه أنه يقول له أنا كتبت لك كتاباً يشمل جميع فنون علم الدين بالآثار الصحيحة عن الصادقين ويرفع عنك هذا عدم الوضوح؟ فائدة هذه المقولة وكيف تنسجم هذه المقولة مع مقولة أنه لم يشترط عليه؟
فرضاً ذاك السائل ما قال للكليني اكتب لي كتاباً كله صحيح، يعني لازم الكليني يكتب كتاباً يجب أن يضع فيه أحاديث ضعيفة لأنه لم يسأل؟ ليس صحيحاً، تعليل ليس في محله، ولذلك ترى أنه لا يوجد دليل قطعي على أن الكافي فيه روايات ضعيفة، مجرد استحسان. هذا رأي السيد ورأيه محترم ولكنه يعني ليس في محله.
قال: ومحمد بن يعقوب قد أعطاه ما سأله فكتب كتاباً مشتملاً على الآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام) في جميع فنون علم الدين، وإن اشتمل كتابه على غير الآثار الصحيحة عنهم (عليهم السلام) أو الصحيحة عن غيرهم أيضاً استطراداً وتتميماً للفائدة، إذ لعل الناظر يستنبط صحة رواية لم تصح عند المؤلف أو لم تثبت صحتها. وهذا هو بنفسه مردود من الكليني.
الكليني يرد على السيد الخوئي بالنص؛ لأن الخوئي يجمع بين الآثار الصحيحة للصادقين عن الصادقين ويريد في نفس الوقت أن يقول أن هناك كتب رواية ضعيفة، هذه كيف ستنسجم؟ وهذان نقيضان لا يمكن لهما أن يجتمعا.
أنه يقول: “إذ لعل الناظر يستنبط صحة”، نحن لماذا نذهب على الظن والفكرة والاعتقاد؟ “لعل الناظر يستنبط صحة الرواية”، أصلاً الناظر هو يريد رواية ترفع عنه الشبهات، الناظر هو يشتكي إلى الشيخ الكليني (رحمة الله تعالى عليه)، الناظر هو يطلب إلى الكليني، يشتكي عند الكليني يقول: هناك روايات مختلف بها لا أجد أن أذاكر مع أي من العلماء، هناك روايات تختلف باختلاف العلل والأسباب، الله يحفظك يا كليني ألف لنا كتاباً يرفع تلكم الشبهات، يكون واضحاً جامعاً مانعاً إلى آخره. والكليني قال له: ألفت لك أنا كتاباً كافياً مجموعاً به من الآثار الصحيحة عن الصادقين يحقق لك المطلب الحمد لله الذي أنت تسأله. هذا الكلام الذي أنا أتحدث به كيف يمكن أن ينسجم؟ السيد الخوئي يقول الناظر هو يريد روايات غير صحيحة حتى يميز الصحيحة من غيرها، ما هذا الكلام؟
كلام أبداً ليس بدقيق، وكلام جداً ضعيف علمياً، جداً ضعيف! لذلك أقول أن الخوئي -وكل الاحترام له- عجز عن تضعيف روايات الكافي الشريف، لذلك ترون التعليل الذي طرحه الخوئي جداً ضعيف أمام طرح الشيخ الكليني والسائل الذي سأله، كافيان في دحض هذه الشبهة، بل عدم وجود المقارنة بين تعليل الخوئي في تضعيف الروايات وبين قول المؤلف نفسه بينه وبين السائل.
