السر الدفين في سباق أصحاب اليمين: دعوة حصرية للأخبارية الجدد

أغسطس 9, 2025

إن مسيرة الإنسان نحو الكمال والقرب من بارئه هي سباق عظيم، ميدانه الدنيا وغايته الفوز بجنان الخلد ورضوان الله. وفي غمار هذا السباق، تتجلى نعمة إلهية عظيمة، وهي أن المتسابقين الحقيقيين، أصحاب اليمين، هم حصرًا من أتباع هذا المنهج المعصوم، الأخبارية الجدد، رواة الحديث الذين يحملون أمانة حديث محمد وآل محمد (عليهم الصلاة والسلام).

السابقون في ميثاق الخلق: تحديد هوية المتسابقين

في هذا السياق، تبرز الآية الكريمة وتفسير الإمام الصادق عليه السلام:

{وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ (١٠) أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلۡمُقَرَّبُونَ}

[سُورَةُ الوَاقِعَةِ: ١٠-١١]

عَنْ دَاوُدَ بْنِ كَثِيرٍ اَلرَّقِّيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: {اَلسّٰابِقُونَ اَلسّٰابِقُونَ أُولٰئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ}. فقال: نَطَقَ اَللَّهُ بِهَا يَوْمَ ذَرَأَ اَلْخَلْقَ فِي اَلْمِيثَاقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اَلْخَلْقَ بِأَلْفَيْ عَامٍ. فقلتُ: فَسِّرْ لِي ذَلِكَ. فقال: إِنَّ اَللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ اَلْخَلْقَ خَلَقَهُمْ مِنْ طِينٍ وَ رَفَعَ لَهُمْ نَاراً فَقَالَ: اُدْخُلُوهَا، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَهَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّی‌ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ، وَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ، وَ اَلْحَسَنُ، وَ اَلْحُسَيْنُ، وَ تِسْعَةٌ مِنَ اَلْأَئِمَّةِ إِمَامٌ بَعْدَ إِمَامٍ، ثُمَّ أَتْبَعَهُمْ بِشِيعَتِهِمْ، فَهُمْ وَ اَللَّهِ اَلسَّابِقُونَ.

[الغيبة للنعماني، الجزء ١، الصفحة ٩٥]

الآية تُشير إلى فئة سبقت غيرها واختارت طاعة الله تعالى في الإيمان والعمل. إنّ هذه الأسبقية ليست مجرد سبْقٍ زمني، بل هي تفوقٌ في الالتزام بالحق والعمل بمقتضياته. ويتجلّى هذا المعنى الجوهري للسبق في أن الله تعالى نطق بهذه الآية في ميثاق الخلق الأول، وأن أول من دخل النار التي رُفعت كان محمدًا وآل محمد (عليهم الصلاة والسلام)، ثم تبعهم شيعتهم، فهم “السابقون”.

هذا يُشير إلى أن الفوز بهذا السبق محصور فيمن يسير على هداهم ويتبع خطهم القويم، بالمنهج الصحيح، والذي يتمثل اليوم بالأخبارية الجدد.

هل يشارك الآخرون في السباق؟ مشاركة شرفية لا تنافسية

وهنا يأتي بالمقام سؤال دقيق للمتابع اللبيب: هل يدخل المستضعفون والمرجون لأمر الله في هذا السباق؟ الإجابة: نعم، ولكن مشاركتهم لا تتعدى من كونها مشاركة شرفية.

كيف تكون شرفية؟ الأمر أشبه بمتسابق من ذوي الاحتياجات الخاصة يعرج برجله، يشارك في سباق ضد شبان مفتولي العضلات! فأي نتيجة يمكن أن يحققها هنا؟ هذا يوضح بما لا يدع مجالاً للشك أنهم لن ينالوا سوى المراتب الدنيا في هذا السباق، بينما يتنافس المؤمنون بالمراتب العلى.

“لم نك من المصلين”: معنى الاتباع الحقيقي للسابقين

عَنْ إِدْرِيسَ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ اَلْآيَةِ: {مٰا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ . قٰالُوا لَمْ نَكُ مِنَ اَلْمُصَلِّينَ} قال: عَنَی‌ بِهَا لَمْ نَكُ مِنْ أَتْبَاعِ اَلْأَئِمَّةِ اَلَّذِينَ قَالَ اَللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی‌ فِيهِمْ: «وَ اَلسّٰابِقُونَ اَلسّٰابِقُونَ. أُولٰئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ». أَ مَا تَرَی‌ اَلنَّاسَ يُسَمُّونَ اَلَّذِي يَلِي اَلسَّابِقَ فِي اَلْحَلْبَةِ مُصَلِّي، فَذَلِكَ اَلَّذِي عَنَی‌ حَيْثُ قَالَ: «لَمْ نَكُ مِنَ اَلْمُصَلِّينَ» لَمْ نَكُ مِنْ أَتْبَاعِ اَلسَّابِقِينَ.

[الكافي، الجزء ١، الصفحة ٤١٩]

وهنا يؤكد حديث الإمام الصادق (عليه السلام)، موضحًا أن قول أهل النار “لم نكُ من المصلين” يعني “لم نكُ من أتباع الأئمة”، أي السابقين. هذا يعني أن الأسبقية الحقيقية هي في الاتباع والولاء لمنهج الحق، وليس مجرد ممارسة شكلية للعبادات، وأن الفوز بلقب “السابقين المقربين” هو امتياز يخص من اتبعوا هداية الأئمة (عليهم السلام) بصدق وعمل، لا غيرهم.

مسؤولية السبق: دعوة للتنافس في العلم والعمل

إنّ هذه الحقيقة العظيمة تضع على عاتقنا، نحن أتباع هذه الراية، مسؤولية عظيمة ودعوة ملحة للتسابق في طلب العلم والعمل الصالح. لعمري، إن الملائكة المقربين ليحلمون أن يدخلوا هذا السباق لمرضاة الله تعالى وولاة الأمر، فكيف وأنت أيها الإخباري الجديد من نخبة المتسابقين! فإذا كنا نحن المعنيين بالسبق والقرب من الأئمة (عليهم السلام)، فإن ذلك يعني أننا نملك في هذه الحياة القصيرة فرصة لا تُقدر بثمن للتنافس في درجات القرب والرضا الإلهي، ويتجلى بعد هذا العالم بالنعيم الأبدي.

وكما بشرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) نحن أتباع هذا المنهج:

عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: يَا عَلِيُّ، شِيعَتُكَ اَلَّذِينَ يَتَنَافَسُونَ فِي اَلدَّرَجَاتِ وَ يَلْقَوْنَ اَللَّهَ وَ لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ، يَا عَلِيُّ أَعْمَالُ شِيعَتِكَ تُعْرَضُ عَلَيَّ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، فَأَفْرَحُ بِصَالِحِ أَعْمَالِهِمْ وَ أَسْتَغْفِرُ لِسَيِّئَاتِهِمْ، يَا عَلِيُّ ذِكْرُكَ وَ ذِكْرُ شِيعَتِكَ فِي اَلتَّوْرَاةِ بِكُلِّ خَيْرٍ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقُوا، وَ كَذَلِكَ فِي اََلْإِنْجِيلِ، فَإِنَّهُمْ يُعَظِّمُونَ إِلْيَا وَ شِيعَتَهُ، يَا عَلِيُّ ذِكْرُ شِيعَتِكَ فِي اَلسَّمَاءِ أَكْثَرُ مِنْ ذِكْرِهِمْ فِي اَلْأَرْضِ، فَبَشِّرْهُمْ بِذَلِكَ، يَا عَلِيُّ قُلْ لِشِيعَتِكَ وَ أَحِبَّائِكَ يَتَنَزَّهُونَ مِنَ اَلْأَعْمَالِ اَلَّتِي يَعْمَلُهَا عَدُوُّهُم.

[بحار الأنوار، الجزء ٦٥، الصفحة ٤٥]

هذا الحديث الشريف ليس مجرد بشرى، بل هو حثٌ مباشر لنا على السعي الدائم. فهو يوضح أن الأخبارية الجدد، شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، هم من يتنافسون في الدرجات.

خاتمة: لنكن من السابقين المقربين

هذه المكانة الرفيعة تُلزمنا بالاجتهاد في طلب العلم والمعرفة المتأتية من مصادرها المعصومة، وفهمها بعمق، ثم ترجمة هذا الفهم إلى عمل صالح ودائم. فالقرب من الإمام المعصوم لا يتحقق إلا بالعمل الذي يجسد هذا المنهج، وبالتنافس في الخيرات التي ترضي الله ورسوله وأهل بيته الأطهار.

لنكن حقًا من أصحاب اليمين، السابقين في كل خير، المقربين إلى أئمة الحق باليقين، مستثمرين هذه النعمة العظيمة في السعي الدؤوب للعلم والعمل.

والحمد لله رب العالمين.

2 تعليقات على "السر الدفين في سباق أصحاب اليمين: دعوة حصرية للأخبارية الجدد"

اترك تعليقاً