بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
من أحاديث الإمام الصادق (عليه السلام) لتلميذه المفضل بن عمر (رضوان الله تعالى عليه):
قال المفضل: «فقلت قد وصفت لي يا مولاي من أمر البهائم ما فيه معتبر لمن اعتبر، فصف لي الذرة والنملة والطير.
فقال (ع): يا مفضل تأمل وجه الذرة الحقيرة الصغيرة، هل تجد فيها نقصا عما فيه صلاحها؟ فمن أين هذا التقدير والصواب في خلق الذرة إلا من التدبير القائم في صغير الخلق وكبيره؟ وانظر إلى النمل واحتشاده في جمع القوت وإعداده، فإنك ترى الجماعة منها إذا نقلت الحب إلى زبيتها بمنزلة جماعة من الناس ينقلون الطعام، بل للنمل في ذلك من الجد ما ليس للناس مثله. أما تراهم يتعاونون كما يتعاون الناس؟ ثم يعمدون إلى الحب فيقطعونه كي لا ينبت فيفسد، فإن أصابه الندى أخرجوه فنشروه حتى يجف، ولا تتخذ النمل الزبية إلا في موضع مرتفع كي لا يغرقها السيل، وكل ذلك بلا عقل ولا روية، بل خلقة خلق عليها. وانظر إلى هذا الذي يقال له الليث وتسمّيه العامة أسد الذباب، وما أعطي من الحيلة؛ يترك الذباب حتى يطمئن، ثم يدنو منه دبيبا خفيا، فإذا قرب وثب عليه وقبضه بجسمه كله حتى يضعف ثم يفترسه. وأما العنكبوت فإنه ينسج بيته كشرك ومصيدة للذباب، ثم يكمن، فإذا وقع الذباب نشب فيه فأقبل عليه يلدغه ساعة بعد ساعة فيعيش عليه.فهذا يحكي صيد الكلاب والفهود، وذاك يحكي صيد الشراك والحبائل. فلا تزدر بالشيء الحقير، فإن المعنى العظيم قد يمثل به، كما لا يخفض من قيمة الدينار أن يوزن بمثقال من حديد».
(التوحيد للمفضل ص١٤١)
يبين الإمام أن أصغر المخلوقات ـ كالذرة والنملة ـ خلقت بدقة تامة لا نقص فيها، وهذا يدل على حكمة الخالق.
النمل مثال للجد والتنظيم؛ يجمع الطعام ويتعاون، ويقطع الحبوب ويجففها، ويبني مساكنه في أماكن مرتفعة، وكل ذلك دون عقل بشري بل بتدبير إلهي. أما “أسد الذباب” فيقتات بحيلة دقيقة؛ ينتظر اللحظة المناسبة ثم ينقض على فريسته.
والعنكبوت يستخدم شباكه كأداة صيد متقنة تشبه فخاخ البشر والمعنى أن الحكمة الإلهية تظهر في كل شيء، صغيرا كان أو كبيرا، وأن العبرة قد تتجلى في أبسط المخلوقات.
هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مارس 21, 2026