المقدّمة:
إنّما يعرف الرجال بالحقّ، ويفضح المدلّسون بمنطق النصّ، وما زال علماء السوء يلبّسون على الناس دينهم، فيحرّفون الكلم عن موضعه، ويقطّعون النصوص ليوهموا السامع غير مراد الإمام المعصوم.
فلقد لقد وقف “زمان الحسناوي”، وهو على منبر الحسين (عليه السلام)، يتلو مقطعًا من التوقيع الشريف، فاختار قول الإمام المهدي (عليه السلام):
«وأما المتلبّسون بأموالنا، فمن استحلّ منها شيئا فأكله، فإنّما يأكل النيران. وأمّا علّة ما وقع من الغيبة، فإنّ الله (عزّ وجلّ) يقول: “يا أيّها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم”¹»².
لماذا معمّم بهذه الشهرة، ويدّعي الأمانة العلميّة، ينقل نصًّا ويستدلّ به لمعنى يصبّ في مصلحته؟!
لماذا لم يقرأ ما بين الأسطر التي تلاها؟ مع أنّها واضحة وضوح الشمس، بل لماذا مرجعه يحلّل الخمس وهو يدعو لمرجعه، بينما النصّ أمام عينيه؟ فما علّة البتر؟ ولماذا يعيب على النواصب في محاضرات أخرى أنّهم يبترون آيات الله ويبترون الأحاديث، ثم يفعل فعلتهم؟!
وحقيقة بترها هي لأنّها لا تدعم مصالح المرجعيّة في أخذ الخمس، رغم أنّ الإمام أباحه.
وقد ركزّ – زمان الحسناوي – على نصّ ذكر في التوقيع:
«وأمّا المتلبّسون بأموالنا…»
ليوهم المستمع أنّ الإمام يقول بوجوب دفع الخمس حتّى لا يأكلوا النيران، وبتر حليّة الإمام للخمس لشيعته، لأنّ هذا النصّ سيتعارض مع ما يريد أن يوصله للجمهور.
ولقد قفز إلى فقرة الغيبة، تاركًا في صمت مريب الفقرة التي تسبقها مباشرة، والتي يحلّ فيها الإمام المهديّ (عليه السلام) الخمس لشيعته الأبرار، إذ يقول في النصّ غير المبتور:
«وأمّا المتلبّسون بأموالنا، فمن استحلّ منها شيئا فأكله، فإنّما يأكل النيران، وأمّا الخمس فقد أبيح لشيعتنا، وجعلوا منه في حلّ إلى وقت ظهور أمرنا، لتطيب ولادتهم ولا تخبث».
فهذا البتر المتعمد والإخفاء لحليّة الخمس عن شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، ليس إلّا تدليسّا أصوليًّا، يريد أن يصوّر للناس أنّ الخمس نار تأكل بطون الجميع، فيرهب به الفقراء والمستضعفين، وهو بذلك كمن اتبع غير سبيل المؤمنين، وخلع ربقة الولاء عن عنقه، وحارب النصّ برأيه.
حقيقة النصّ:
نعم، إنّ النار المذكورة في التوقيع إنّما هي لمن استحلّ أموال الإمام من النواصب والمخالفين، والإمام لم يبيح لهم ذلك، أمّا الشيعة المخلصين، فقد أحلّ لهم إمامهم الخمس، طهرة لمواليدهم، وطيّبا لذرياتهم.
إنّي لا أجد وصفًا أصف به هؤلاء إلّا من كلام الصادق (عليه السلام) حيث يقول:
«وهؤلاء علماء السوء الناصبون المشبّهون، بأنّهم لنا موالون، ولأعدائنا معادون، يدخلون الشكّ والشبهة على ضعفاء شيعتنا، فيضلّونهم ويمنعونهم عن قصد الحقّ المصيب. لا جرم أنّ من علم الله من قلبه – من هؤلاء العوام – أنّه لا يريد إّلا صيانة دينه وتعظيم وليّه، لم يتركه في يد هذا الملبّس الكافر»³.
فما أصدق كلام الصادق (عليه السلام)!
الخاتمة:
إنّ التطابق الذي نراه بين أبي بكر عندما سرق حقّ الزهراء، وبين الشيعة الأصوليّين عندما سرقوا حقّ المهديّ، تطابق يكاد أن يكون توأم في تأويل النصّ لصالحهم!
فأبو بكر بتر نصّ النبي والأصوليّ بتر نصّ المهديّ، والنتيجة واحدة، حقوق المعصومين ومقاماتهم وألقابهم سُرقت! فكم من عمر وأبي بكر ارتدوا زيًّا شيعيًّا وألقوا خطبهم أمام الحسين؟!
أما آن للشيعة أن تميّز بين وليّ مبيح وناصب ملبّس؟! أما حان أن يردّ الكلام إلى أهله، ويقرأ بكامله، لا بانتقاء المفسدين؟!
فكم من مصداق صدق على علماء الأصوليّين؟! وكم من وصف وصفهم الإمام كانوا به مستحقّين وأهلًا له! وكم من تشابه عظيم بينهم وبين إخوتهم الناصبة؟!
المصادر:
1 – المائدة 101
2 – كمال الدين وتمام النعمة – الشيخ الصدوق – ص515
3 – الاحتجاج – الطبرسي – ج2 – ص264
