حال المولود لو ولد فهما عاقلا وتعليل ذلك‏

أكتوبر 30, 2025

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآل محمد واللعنة الدائمة على اعداءهم أجمعين لاسيما أبو بكر وعمر ومن تبعهم أجمعين

يقول الامام في حديثه لتلميذه المفضل( رضوان الله تعالى عليه)

ولو كان المولود يولد فهما عاقلا، لأنكر العالم عند ولادته، ولبقي حيران تائه العقل إذا رأى ما لم يعرف، وورد عليه ما لم ير مثله من اختلاف صور العالم، من البهائم والطير إلى غير ذلك مما يشاهده ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم. واعتبر ذلك بأن من سبي من بلد وهو عاقل، يكون كالواله الحيران، فلا يسرع إلى تعلم الكلام وقبول الأدب كما يسرع الذي سبي صغيرا غير عاقل. ثم لو ولد عاقلا، كان يجد غضاضة إذا رأى نفسه محمولا، مرضعا، معصبا بالخرق، مسجى في المهد، لأنه لا يستغني عن هذا كله لرقة بدنه ورطوبته حين يولد. ثم كان لا يوجد له من الحلاوة والوقع من القلوب ما يوجد للطفل. فصار يخرج إلى الدنيا غبيا غافلا عما فيه أهله، فيلقى الأشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة. ثم لا يزال يتزايد في المعرفة قليلا قليلا، وشيئا بعد شيء، وحالا بعد حال، حتى يألف الأشياء ويتمرن ويستمر عليها، فيخرج من حد التأمل لها والحيرة فيها إلى التصرف والاضطرار إلى المعاش بعقله وحيلته، وإلى الاعتبار والطاعة والسهو والغفلة والمعصية. وفي هذا أيضا وجوه أخرى: فإنه لو كان يولد تام العقل مستقلا بنفسه، لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد، وما قدر أن يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة، وما يوجب التربية للآباء على الأبناء من المكافأة بالبر والعطف عليهم عند حاجتهم إلى ذلك منهم. ثم كان الأولاد لا يألفون آباءهم، ولا يألف الآباء أبناءهم، لأن الأولاد كانوا يستغنون عن تربية الآباء وحياطتهم. فيتفرقون عنهم حين يولدون، فلا يعرف الرجل أباه وأمه، ولا يمتنع من نكاح أمه وأخته وذوات المحارم منه إذا كان لا يعرفهن. وأقل ما في ذلك من القباحة، بل هو أشنع وأعظم وأفظع وأقبح وأبشع لو خرج المولود من بطن أمه وهو يعقل أن يرى منها ما لا يحل له ولا يحسن به أن يراه. أ فلا ترى كيف أقيم كل شيء من الخلقة على غاية الصواب، وخلا من الخطإ دقيقه وجليله!

(توحيد المفضل ص٥١)

الإمام (عليه السلام) يوضح بفكر عميق أن ولادة الإنسان جاهلًا لا عاقلًا ليس نقصًا، بل تمام الحكمة لأنه لو وُلد الإنسان عاقلا لفقد معنى الطفولة، ومشاعر الحنان بين الأبوين والأبن، ولأفسد النظام الإنساني والاجتماعي من أساسه، ولما تعلم الأشياء ولا الأمور ومن يولد وله عقل ليس كمن لا عقل له ويتدرج فيكون غير ميال للتعلم وليجد في نفسه الأشمئزاز من وعيه على حاله يشد في القماط ويمدد في المهد ويتم رضاعه ولا يقوى على التحرك بحرية فلو ولد الطفل عاقلا لما وجد الآباء الحلاوة في تربيتهم وتلبية حاجتهم وأن يعطف الأب على اأابن وأن يعطف الأبن على الوالد وأن يرى الوالدان ماعانا في تربيته ويحصدوا ما زرعوا ولو خرج الطفل على وعي منه وعقل لما رأى نكاح أخته وامه وذوات محارمه شيء لأنه لايعرفهن ويبين الامام ان لهذا الموضوع ما هو أقبح وأشنع وأفضع من ذلك ثم يخبر الامام تلميذه المفضل اما ترى يا مفضل كيف كل شئ في هذه الخليقة اُتِمَ على الصواب صغيره وكبيرة ،

جعلنا الله وإياكم من المتدبرين الشاكرين هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

اترك تعليقاً