بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على محمدٍ وآل محمد، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، لاسيّما أبو بكر وعمر ومن تبعهم إلى قيام يوم الدين.
من أعظم ما يميّز مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أنّها لا تكتفي بذكر العقائد على نحوٍ إجمالي، بل تُعمِّق النظر وتفتح العقول على براهين التوحيد وآيات الصنعة الإلهية
ومن نفائس ما ورد في ذلك حديثُ الإمام جعفر الصادق (صلوات الله وسلامه عليه) مع تلميذه المفضّل بن عمر (رضوان الله تعالى عليه).
من حديثه أرواحُ العالمين لتراب نعله الفداء:
«إن الشكّاك جهلوا الأسباب والمعاني في الخلقة، وقصرت أفهامهم عن تأمل الصواب والحكمة فيما ذرأ الباري جلّ قدسه وبرأ من صنوف خلقه في البر والبحر والسهل والوعر، فخرجوا بقصر علومهم إلى الجحود، وبضعف بصائرهم إلى التكذيب والعنود، حتى أنكروا خلق الأشياء، وادّعوا أن تكونها بالإهمال، لا صنعة فيها ولا تقدير، ولا حكمة من مدبّرٍ ولا صانع تعالى الله عما يصفون {قاتلهم الله أنّى يؤفكون} فهم في ضلالهم وغيّهم وتجبرهم بمنزلة عُميانٍ دخلوا داراً قد بُنيت أتقن بناءٍ وأحسنه، وفُرشت بأحسن الفرش وأفخره، وأُعِدَّ فيها ضروب الأطعمة والأشربة والملابس والمآرب التي يحتاج إليها ولا يُستغنى عنها، ووُضع كلّ شيءٍ من ذلك موضعه على صوابٍ من التقدير وحكمةٍ من التدبير فجعلوا يتردّدون فيها يميناً وشمالاً، ويطوفون بيوتها إدباراً وإقبالاً، محجوبة أبصارهم عنها لا يُبصرون بنية الدار وما أُعدّ فيها وربّما عثر بعضهم بالشيء الذي قد وُضع موضعه وأُعدّ للحاجة إليه، وهو جاهلٌ للمعنى فيه ولِمَ أُعدّ ولماذا جُعل كذلك فتذمّر وتسخّط وذمّ الدار وبانيها فهذه حال هذا الصنف في إنكارهم ما أنكروا من أمر الخِلقة وثبات الصنعة، فإنهم لما عزبت أذهانهم عن معرفة الأسباب والعلل في الأشياء، صاروا يجولون في هذا العالم حيارى فلا يفهمون ما هو عليه من إتقان خلقته وحُسن صنعته وصواب هيئته وربّما وقف بعضهم على الشيء يجهل سببه والإرب فيه، فيسرع إلى ذمّه ووصفه بالإحالة والخطأ، كالذي أقدمت عليه المنانية الكفَرة وجاهرت به الملحدة المارقة الفجرة، وأشباههم من أهل الضلال المعلّلين أنفسهم بالمحال فيحقّ على من أنعم الله عليه بمعرفته وهداه لدينه ووفّقه لتأمّل التدبير في صنعة الخلائق، والوقوف على ما خُلقوا له من لطيف التدبير وصواب التقدير بالدلالة القائمة الدالّة على صانعها، أن يُكثر حمد الله مولاه على ذلك، ويرغب إليه في الثبات عليه والزيادة منه. فإنّه جلّ اسمه يقول: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}»
(توحيد المفضل ، ج١ ، ص ٤٤)
(نهاية الحديث)
حيث يُبيّن فيه حال الشاكّين والملحدين الذين غابت عن بصائرهم دلائلُ الخِلقة، فعجزوا عن إدراك الحكمة البالغة في صنوف الموجودات.
فجاء كلامه الشريف بأسلوب ضرب المثل والتشبيه، حتى يُقرّب المعاني إلى الأذهان، فيصف هؤلاء المنكرين بأُناسٍ عُميانٍ دخلوا قصراً بديع البناء، أُعِدّ فيه كلّ ما يحتاجه الساكن من مأكلٍ ومشربٍ وراحة، لكنّهم لم يُبصروا جماله ولا حكمته،
بل أخذوا يذمّونه ويطعنون في بانيه، ويُسفّهون عقولهم بأقوالٍ وأفعالٍ لا يقبلها حتى المجنون الذي لا يكاد يفقه حرفاً وهكذا حالُ من أعرض عن التأمّل في صنع الله عزّ وجلّ؛
إذ يمرّ على الآيات الباهرة فلا يفهم مقصدها، فينكر بدلاً من أن يشكر،
ويجحد بدلاً من أن يؤمن.
أعاذنا الله وإيّاكم من الجحود، وثبّت قلوبنا على التوحيد والإيمان.
هذا وآخر دعوانا أنِ الحمدُ لله ربّ العالمين.
