“البشارات بالنبي قبل ولادته: كيف مهدت السماء لبعثته؟”

أغسطس 9, 2026

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلوات الله وصلوات ملائكته وأنبيائه ورسله وجميع خلقه على محمد وآل محمد والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته.

المقدمة

بعد أن تبين لنا مقام النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعصمة في المقالة السابقة، نتوصل في هذه المقالة إلى مرحلة جديدة من مراحل مشروع الهداية وهو التبشير بالنبي الأكرم من قبل الأنبياء والمرسلين السابقين قبل ظهور النبي، كما تناقش المقالة فكرة ظهور النبي كحدث هيئت له السماء لاستقبال خاتم الأنبياء.

المبحث الأول: معنى البشارة بالنبي

أولاً: ما المقصود بالبشارة؟

البشارة: هي الخبر الذي خبرت به الأمم السابقة على أيدي الأنبياء والمرسلين والأوصياء وغيرهم من الكهنة وسائر الخلق، وسمي بالبشارة لأن هذا الخبر هو خبر خير من السماء بتبشير الناس بمولد خاتم النبيين الذي يختم الأنبياء ويختم الشرايع ويكون على دينه تحقق الوعد الإلهي بملء الأرض قسطا وعدلا، لذا كان الجميع منتظر لهذه البشارة.

ثانيًا: لماذا بشر الله بالنبي قبل ولادته؟

بشر الله بالنبي لتهيئة الأمم لاستقبال رسول الله واتباعه ونصرته لأن دينه هو الدين الخاتم وبدينه يملء الأرض قسطا وعدلا وكذلك لإقامة الحجة على الناس لئلا يقولوا لم نكن نعلم من قبل.

(تفسير کنز الدقائق وبحر الغرائب – ج 3 – ص 147)

قد بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن الله سبحانه خصه بما لم يخص به أحدًا من خلقه، فأخذ الميثاق له على جميع الأنبياء، ولم يأخذ ميثاقه لأحد منهم، وأمر كل نبي أن يقر بنبوته، ويبشر أمته بمبعثه، ويهيئهم للإيمان به واتباعه.

المبحث الثاني: بشارات الأنبياء بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله).

وجد ذكر رسول الله في الكتب السماوية السابقة، فشهدت به التوراة، وبشر به الإنجيل، وأخبر الله تعالى على لسان عيسى (عليه السلام) بقوله: ﴿وَمُبشرًا برسولٍ يَأْتي مِن بعدِي اسمهُ أَحْمَدُ﴾.
فإذا كانت جميع الأنبياء قد أُخذ عليهم العهد بالإيمان به، وأُلزموا بتبشير أممهم به، فإن ذلك يكشف عن عظمة مقامه عند الله تعالى، وأنه لم يكن نبيًا ظهر في آخر الزمان فحسب، بل كان حاضرًا في مشروع الهداية الإلهية منذ بدايته، ومحورًا دارت حوله البشارات والمواثيق الإلهية عبر جميع الرسالات، حتى كانت الأمم تنتظر ظهوره، وتتطلع إلى بعثته، وتعلم أن خاتم الأنبياء، وأعظم الرسل، وصاحب أكمل الشرائع، هو محمد (صلى الله عليه وآله.)

أولاً: ما أرسل رسولا ولا نبأ نبيا إلا وأمره الله بالتبشير بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله).

( الهداية الكبرى – ص381)

ثانيًا: النبي محمد دعوة النبي إبراهيم.

﴿ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم﴾

(تفسير القمي – ج1 – ص 62)

ثالثًا: البارقليطا في وحي الله إلى عيسى( عليه السلام)

(إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات – ج 1 – ص 233)

المبحث الثالث: بركات محمد وآل محمد رافقت الأنبياء.

ولم تقتصر البشارات على الإخبار بمبعثه، بل ظهرت آثار مقامه في حياة الأنبياء السابقين، إذ إن الدعوة إلى النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، والتبشير به، لم تكن مجرد كلمات أو وعود تُتلى، بل تجلّت آثارها في الواقع قبل ولادته بقرون. فقد قُبلت توبة آدم (عليه السلام) ببركة محمد وآل محمد، وانشق البحر لموسى (عليه السلام) وقومه ببركتهم، وارتفع القتل عن بني إسرائيل بتوسلهم بمحمد وآله. فهذه الأحداث العظيمة لم تكن إلا شواهد على مكانته السامية عند الله تعالى.
إن هذه الوقائع كانت تهيئ البشرية لاستقبال أعظم شخصية في التاريخ، وتلفت الأنظار إلى شأنه قبل أن يولد، لتغرس في النفوس عظم منزلته، وتبين أنه صاحب أعظم رسالة، خاتمة الأديان، وأن أوصياءه هم أصفى الأوصياء وأطهرهم. فمحمد وآل محمد( صلوات الله عليهم) هم محور الهداية الإلهية، وبركتهم ظهرت في الأمم السابقة قبل ظهورهم في هذه الدنيا.

قبول توبة النبي آدم بفضل محمد وآله

(تفسير الإمام العسكري – ص225)

نجاة قوم موسى وشق البحر

( تفسير الصافي – ج 1 – ص 129)

اليهود يستنصرون ويكف عنهم الكرب بذكر النبي

(تفسير الإمام العسكري – ص393)

المبحث الرابع: انتظار البشرية للنبي الخاتم.

أولاً: هل كان ظهوره متوقعا؟

بعد أن عرضنا لكم الروايات أعلاه تبين لنا أن ظهور النبي الأكرم كان متوقعا وكانت البشرية تنتظره وتتحدث به وبفضله وفضل آله الكرام.

ثانيًا: علم أبو طالب بفضل النبي وصدقه من قبل آباوه وعلمائه وإقامته للحجة على قريش.

لم يكن إيمان أبي طالب( عليه السلام) برسالة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وليد ما شاهده من معجزاته بعد البعثة، بل كان قائمًا على علمٍ متوارث وصل إليه من آبائه وعلماء قومه. فقد كانوا يتناقلون البشارات بالنبي الخاتم، ويعلمون أن ظهوره حق لا ريب فيه، حتى ترسخ ذلك في يقين أبي طالب قبل إعلان الرسالة.

(إثبات الهداة بالنصوص و المعجزات – ج 1 – ص 233)

المبحث الخامس: لماذا مهّد الله لبعثة النبي؟

لم تقتصر البشارات التي ذكرناها على الإخبار بمولده فحسب، بل تعدت ذلك إلى تهيئة البشرية لاستقباله، وإقامة الحجة عليها قبل ظهوره. فقد ارتبط اسمه الشريف بأحداث عظيمة في تاريخ الأنبياء والأمم، من قبول توبة آدم (عليه السلام)، إلى نجاة موسى (عليه السلام) وقومه، واستنصار بني إسرائيل به، وغير ذلك من الشواهد التي تؤكد أن الله تعالى أراد أن يعرف الخلق بعظمة نبيه وعالمية الرسالة المحمدية قبل بعثته، وأن يجعل ذكره حاضرًا في وجدان الأمم جيلاً بعد جيل.

ومن هنا يتضح أن جميع الرسالات السماوية كانت تصب في غاية واحدة، وهي التمهيد لرسالة النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله)، لأن الإسلام امتداد لجميع الرسالات، وأن الأنبياء لم يكونوا مبلغين لشرائع زمانهم فحسب، بل كانوا أيضًا مبشرين بمن سيختم الله به النبوة، وآخذين العهد على أممهم بالإيمان به ونصرته.

وفي هذا كله إشارة لأرتباط البشارات بمشروع الهداية الإلهية منذ عالم الذر، فتأمل أخي القارئ بعظيم مقام النبي الأكرم وارتباطه الوثيق منذ عالم الذر إلى بعثته وإلى استشهاده صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الكرام.

المبحث السادس: لماذا لم يؤمن جميع أهل الكتاب بالنبي رغم وجود البشارات؟

إن أهل الكتاب عندما استشهد أنبياءهم انقسموا لعدة فرق كما هو الحال مع المسلمين، إلا أن لكل ديانة فرقة واحدة ناجية وهذه الفرقة الواحدة هي المؤمنة بنبيها ورسالته، فهذه الفرقة عندما يظهر نبي آخر تؤمن به، أما باقي الفرق المنحرفة فهي انحرفت عن دين ورسالة نبيها، ولو ظهر نبي لم تؤمن به، لأنها فرق كافرة منحرفة كفرت برسالة نبيها، وهذا لا يمنع من إيمان بعض الأشخاص من هذه الفرق المنحرفة بالنبي الأكرم، فالحسد هو الذي منع الفرق المنحرفة على اكتتام ذلك واضلال الناس.

(تفسير الإمام العسكري – ص159)

الخاتمة:

بعد استعراض الروايات والنصوص الواردة في البشارات بالنبي الأكرم، يتبين لنا أن بعثته لم تكن حدث تاريخي بل كان امتدادا لمشروع الهداية الإلهية الذي بدأ منذ عالم الذر إذ أخذ الله الميثاق على الأنبياء بالاقرار به والتبشير بمبعثه ورسالته، إذ جعل ذكر النبي الأكرم وكراماته ومقامه حاضرا مع الرسالات السماوية جميعها وربط اسمه الشريف بأحداث عظيمة شهدتها الأمم السابقة، لتبقى الأمم مهيأة لاستقبال خاتم النبيين ورسالته.

ونسأل الله تعالى أن يرزقنا معرفة نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) حق المعرفة، وأن يثبتنا على الإيمان به، والتمسك بسنته، والاقتداء بهديه، والولاية له ولآله الطاهرين، والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً