“اختصاص الإنسان بالمنطق والكتابة”

يناير 1, 2026

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين،

من أحاديث الإمام الصادق (صلوات الله عليه) لتلميذه المفضل بن عمر
(رضوان الله تعالى عليه) حيث قال :«تأمل يا مفضل ما أنعم الله تقدست أسماؤه به على الإنسان من هذا المنطق الذي يعبر به عما في ضميره وما يخطر بقلبه وينتجه فكره وبه يفهم عن غيره ما في نفسه ولو لا ذلك كان بمنزلة البهائم المهملة التي لا تخبر عن نفسها بشيء ولا تفهم عن مخبر شيئا وكذلك الكتابة التي بها تقيد أخبار الماضين للباقين وأخبار الباقين للآتين وبها تخلد الكتب في العلوم والآداب وغيرها وبها يحفظ الإنسان ذكر ما يجري بينه وبين غيره من المعاملات والحساب ولولاه لانقطع أخبار بعض الأزمنة عن بعض وأخبار الغائبين عن أوطانهم ودرست العلوم وضاعت الآداب وعظم ما يدخل على الناس من الخلل في أمورهم ومعاملاتهم وما يحتاجون إلى النظر فيه من أمر دينهم وما روي لهم مما لا يسعهم جهله ولعلك تظن أنها مما يخلص إليه بالحيلة والفطنة وليست مما أعطيه الإنسان من خلقه وطباعه، وكذلك الكلام إنما هو شيء يصطلح عليه الناس فيجري بينهم ولهذا صار يختلف في الأمم المختلفة وكذلك لكتابة العربي والسرياني والعبراني والرومي وغيرها من سائر الكتابة التي هي متفرقة في الأمم إنما اصطلحوا عليها كما اصطلحوا على الكلام فيقال لمن ادعى ذلك أن الإنسان وإن كان له في الأمرين جميعا فعل أو حيلة فإن الشيء الذي يبلغ به ذلك الفعل والحيلة عطية وهبة من الله عز وجل له في خلقه فإنه لو لم يكن له لسان مهيأ للكلام وذهن يهتدي به للأمور لم يكن ليتكلم أبدا ولو لم تكن له كف مهيئة وأصابع للكتابة لم يكن ليكتب أبداً، واعتبر ذلك من البهائم التي لا كلام لها ولا كتابة فأصل ذلك فطرة الباري جل وعز وما تفضل به على خلقه فمن شكر أثيب ،وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ»

(توحيد المفضل ، ج١ ص٧٩)

يلفت الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) الفِكر تجاه نعمة الله عز وجل، وهي الكلام والتعبير عما يدور في خاطره وكذلك الكتابة، فلو كانتا معدومتين وأُنُشِئ الإنسان دونهما لكان شأنه شأن البهائم التي لا يعرف لها منطق ولا فهم !! وكيف أن في الكتابة ما فيها من حفظ السِّيَر والعلوم المختلفة في جميع جوانب الحياة، وكذلك ما فيها من ديمومة وصول شرع الله عبر المتأخرين من الناس.

فلو نلاحظ إن هاتين النعمتين لم تأتيا صدفةً، إنما مثلهما كمثل البيت الذي يبنى يهيّأُ له أساسٌ يحمله ويجهّزه لاستقبال باقي مراحل البناء، فنعمة المنطق هيأ الله لها عقل ووعي وإدراك، والفم يترجم تلكم الأفكار على هيئة صوت، وكذا الكتابة كيف هُُيِّئَت لها الأصابع، فلولا هاتان النعمتان لَانْعدم التواصل وصار الإنسان شأنه شأن البهائم، وهذا من بدائع خلق الله.

جعلنا الله وإياكم من المتدبرين المتفكرين هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً