المفهوم الخاطئ للعلمانية في المجتمعات الشرقية
كلكم يعرف، وخاصة مجتمعنا الشرقي، بأن الشخص العلماني -يقولون سبحان الله حتى هذه اللفظة خطأ وسأشرحها لاحقاً- يُنظر إليه نظرة دونية، على أساس أن المتدينين ينظرون إلى العلماني نظرة دونية. ما السبب؟ هذه جاءت عن طريق المؤامرة الكبيرة التي تآمر فيها الناصبة والأصوليون؛ بعضهم لم يقصد أن يتآمر، وإنما انحرف عقائدياً وفكرياً.
العلماني -إخوتي الكرام- في مجتمعنا هو الذي يفصل الدين عن السياسة، ويُنظر إليه نظرة دونية ويقال عنه “علمانية”، وهذه لفظة طبعاً حتى هي خطأ. العلمانية هي نهضة أوروبية؛ الشعب الأوروبي انتفض منذ مئات السنين القديمة ضد المتدينين من الكنائس الذين كانوا متسلطين عليهم، يأكلون أموالهم ويأخذون “الجزية” (التي هي اليوم الخمس) منهم. فالشعب الأوروبي لم يتحمل، انتفض وعزلهم عن السياسة وقال لهم: “تقعد أنت بزاوية تعيش حياتك، ونحن نشكل السياسة”، ومن هنا نشأت العلمانية.
فخ “السياسة والدين”: مؤامرة السلطة والدنيا
عندما كنت أكتب في بعض المواقع لسنوات قديمة، كتبت موضوعاً في هذا: هذه العلمانية، كيف أنت الآن -حاشاكم وحاشا السامعين- بكل حماقة تأتي وتقول لمن يطالب بفصل الدين عن السياسة “علماني”؟ ما علاقتها بهذا الموضوع؟
هذا واحد، اثنان: انظر كيف تحاك المؤامرة؛ الآن الذي يقول بفصل الدين عن السياسة يصبح علمانياً ويُنظر إليه نظرة دونية، مع العلم -وهنا سأقول لك ما هي الحجة، انتبه- الحجة هي: “والله رسول الله كان بالبرلمان” أو “رسول الله كان سياسياً” أو “الإمام علي سياسي”.. “أهل البيت كلهم سياسيون فيجب العمل بالجمع بين الدين والسياسة”! وهذا هراء، هذه حماقة ومؤامرة أصولية ناصبية من أجل الدنيا والسلطة، في حين أن العكس هو الصحيح.
أثر الخلط بين الدين والسياسة في انتشار الإلحاد
دعني أخبرك؛ أنت لا تعرف أن سبب بغض الناس ولجوء الكثيرين إلى الإلحاد والكفر هو الخلط بين الدين والسياسة، وعكس انحراف المتدينين في السياسة وسرقتهم على الناس؛ ففهم الناس أن هذا حال المتدينين فكفروا بالدين لأنهم نظروا إليه من خلال هؤلاء.
إذن، كيف تمثل أنت رسول الله صلى الله عليه وآله وتعمل بالسياسة؟ دعني أقول لك: لا مانع أن يعمل المتدين في السياسة، هذا شأنه، ولكن المانع هو رفع شعار “السياسة والدين معاً”؛ هذا هراء وانحراف عن آل محمد عليهم السلام. دعني أخبرك لماذا؛ أليس العكس هو الصحيح؟ الآن الذي يعمل بالدين والسياسة معاً يصبح كأنه ابن عم رسول الله! في حين أن المطلوب منه -إذا كان متديناً- أن لا يعمل بالدين والسياسة معاً. لماذا؟ لأن هذا هو منهج أهل البيت، والحمقى لا يعرفون أن هذه من شؤون المعصومين عليهم السلام فقط.
حقيقة التدين: العمل السياسي مقابل رفع الشعار الديني
احتجاجك بأن رسول الله عمل بالسياسة إذن يجب عليك العمل بالدين والسياسة معاً هو هراء؛ لأنك -حاشا السامعين- سارق وسافل، وترفع هذا الشعار! الآن كم شخص إذا رأى معمماً يبصق على الأرض من قذارة تصرفات بعضهم؟ لأنهم عكسوا العمل بالدين والسياسة على صورتهم، وهذا هو الواقع.
التمييز بين الحاكم المعصوم وغيره
هذه من مختصات رسول الله وأهل بيته؛ الحاكم الشرعي الحقيقي هو الذي يعمل بالدين والسياسة معاً لأنه هو الذي لا يخطئ، ولأن إسقاطات الخطأ تقع على المجتمع، فالمجتمع سينظر إلى الدين بانه دين منحرف، تماماً كما يجري الآن في العراق. لا أحتاج أن أعطيك مصدراً إلا إذا كنت أصولياً؛ نعم الأصولي عمله قائم على غض الطرف عن الحقيقة، أما الناس الطبيعيون الذين يبحثون عن الدين بصدق وحقيقة فيرون ما يحدث.
فلا تضحك على الناس بهذه الترهات وترمي إسقاطاتك في العمل السياسي، لأنك حتماً ستخطئ، وخطؤك هذا ينسكب على الدين.
دعني أعطيك مثلاً من الزيارة الجامعة: «السلام عليكم يا أهل بيت النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي، ومعدن الرحمة، وخزان العلم، ومنتهى الحلم، وأصول الكرم، وقادة الأمم، وأولياء النعم، وعناصر الأبرار، ودعائم الأخيار، وساسة العباد، وأركان البلاد، وأبواب الإيمان، وأمناء الرحمن…».
الزيارة الجامعة كمنهج للفصل
عبارة «ساسة العباد وأركان البلاد» في شرحها تعني أنهم هم المختصون فقط، لأنه هو الحاكم الشرعي صاحب النص، وهو الذي له حق العمل والتصرف بكل شيء، وبدونه يعم الفساد في الأرض. فوصفك لمن يفصل الدين عن السياسة بأنه “علماني” هو حماقة؛ على العكس، التدين هو الابتعاد عن السياسة (كشعار). لا مانع أن يعمل المتدين في السياسة، ولكن المانع أن يرفع شعار “السياسة والدين معاً” لأن هذه من المختصات المسروقة.
أسألك بالحسين، ما عندك دين؟ ولك في الزيارة أنت تقول: “السلام عليك يا آية الله”! دققها.
