تحدثنا بالأمس بأن طلب العلم فريضة، وبينا أن هذه الفريضة هي متعلقة بأقل الممكن من المسائل، أحكام المسائل الابتلائية مثل الوضوء وغسل الجنابة حيث هما متعلقتان بمشروط الطهارة فوجبتا لأجل الطهارة للصلاة، وفي الواقع حتى لأجل الصلاة لم تجب إنما الصلاة واجبة وشرطها الغسل.
” طلب العلم فريضة“
تارة تكون فقيهاً وتارة لا طاقة لك على أن تكون فقيهاً، فلا يفرض عليك كفرض الصلاة باعتبار الحديث يقول فريضة إنما الفرض هنا إذا لم تستطع أن تكون فقيهاً، فأقل الممكن أن تتعلم أحكام المسائل الابتلائية دون البحث في عللها وأدلتها .
“ حاجة الأمة إلى العالم كالناس في كهف مظلم“
آلاف الناس في كهف عميق كهف مظلم، لا تستطيع أن ترى حتى يدك، فيه الآلاف المؤلفة من الناس والكهف معتم لا تستطيع أن ترى يديك لشدة العتمة ولا تعرف أين تتجه، أنت في تيه في ذلك الكهف وترى ضوءًا لشخص يقول لك هذا هو الضوء وهذا هو الطريق هلم معي، فتسأله« كيف تعرف الطريق؟» «يقول لك إني أحفظه وأعرفه» فبهذا اللحاظ هل تشكره حين يخرجك من الظلمة إلى النور وتحمد الله عز وجل لأنه سخر لك هذا الرجل أم تسبه وتشتمه وتكفره؟ ما يجري في أمتنا اليوم من الجُهال، هم يفعلون عين (الخيار الثاني) وبعضهم يقول لهذا الذي فتح الضوء: نريدك أن توصلنا إلى بر النجاة لكننا سنسبك ونلعنك (الأمة ابتلت بالجاهل وأخطر ما يمكن، أن الجاهل يقوم مقام العالم).
“ بيان أن العلم يحتاج إلى الصبر والعناء في طلبه“
العلم لا يتأتى بيوم وليلة، طلب العلم يحتاج إلى صبر وتعب وعناء، العلم لا يمكن أن يفهم بمجرد أن تقرأ حديثًا، نحن تعدينا السنة في الدروس وتجاوزنا مئة محاضرة في الفقه ولم نكمل ثلاثين صفحة، فأنت كطالب علم مررت بكل هذه المراحل ووصلت إلى حد المعرفة والقناعة عندما تتحدث مع الآخرين، وتقارن الذي أنت فيه من مشقة وعناء مع الآخرين الذين يقومون مقام الفقه؟ فأكيد لا تتساوى الكفتان، ثم هناك جانب غيبي يتدخل فإن الله عز وجل يسخر قلبك ويوفقك ويعينك على ذلك ويديم عندك التوفيق، والتوفيق هنا إعطاؤك الطاقة الإيمانية وديمومتها للمضي في هذا الأمر.
“بيان أن التوفيق علة المداومة على الدراسة “
الآلاف من المعممين يذهبون إلى الحوزات والمدارس الدينية بشغف، لكن بعد فترة عندما يصلون إلى مرحلة التشبع تنطفئ عندهم الطاقة الإيمانية وينصرف عن الدراسة (بعضهم لغرض دنيوي يرتدي العمامة وينطلق في الناس يتزعمهم وهو حمار، وها أنتم ترون ما أكثر الحمير حتى كاد يكون الحمار معمم أو المعمم حمار بمعنى عندما تقول حمار يتبادر إلى ذهنك معمم ) وبعضهم يترك حتى الزي الديني لأن الطاقة الإيمانية تنطفئ، وهي إحدى علامات سلب التوفيق، فمن ديمومة التوفيق هو الإخلاص والطلب من الله أن يعينك على ذلك والوفاء والصدق والأمانة وعدم الكذب وعدم الحسد كلها مقومات لجعلك عالما.
” المسألة ليست مادية“
المسألة غيبية، الفقه هو أشرف العلوم، لاحظ قد يقول لي قائل يعني هل يعقل أن الفقه أشرف من الطب والهندسة؟ نعم، لأن أساس الحياة معرفة الله وأحكامه، الله يقول لك: إذا كنت طبيبًا أو عالمًا نووي، أو كنت فقيراً أو غنيًا، عليك أن تتعلم الفقه، وتعرفني وتعرف كتبي ورسلي وأوصيائي، ومن ثم انطلق افعل ما شئت تريد أن تكون عالمًا في الدين أو طبيبا، اذهب وأنا أبارك لك وفيك، الأصل يجب أن تعرفني وتعرف أحكامي، قبة العلوم، هرم العلوم، رأس هرم العلوم، أعظم العلوم؛ هو الفقه.
“شاهد على الموضوع “
عندما أقول لك ذلك أريد أن أبين أن الإخلاص هو الذي يقودك، لو كانوا الأصوليون مخلصين لألقى الله في روعهم معرفة الأحاديث (كيف يمكن إخلاصهم وهم يكذبون الحديث كيف يمكن إخلاصهم وهم عندهم جرأة التعبد بدين الناصبي) فسلب الله منهم التوفيق حتى جعلهم يسقطون أكثر من عشرة آلاف إلى أحد عشر ألف حديث فقط في الكافي، ولأن رسول الله دعا لنا ودعا لعلي قال اللهم انصر من نصر علي، فنصرته نصرة الأحاديث، نصرنا الكافي وأحاديثه ونصرنا أحاديث أهل البيت، فألقى الله عز وجل في روعنا معرفة بواطن الحديث ومعرفة حاكمه من محكومه الذي لم يلفظ هذه اللفظة عالم قط، وناسخه ومنسوخه.
“منزلة العلم “
لو عرف الناس منزلة العلم وأهميته لما بقي عندنا طبيب أو مهندس أو طيار، كلهم سيذهبون زحفًا لأجل طلب العلم، وعندما يقال طلب العلم فريضة ليس معناه أن تجلس في بيتك وتفتح الإنترنيت وتقرأ حديث وتفسره، فقد وقعت الأمة في جهل لا حدود له، أضرب لكم مثلاً هذا الحديث.
عن خلاس، عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:«من ترك الصلاة في جهالته ثم ندم لا يدري كم ترك؟ فليصلِّ ليلة الاثنين خمسين ركعة بفاتحة الكتاب مرة وقل هو الله أحد مرة، فإذا فرغ من الصلاة استغفر الله مائة مرة، جعل الله ذلك كفارة صلاته، ولو ترك صلاة مئة سنة لا يحاسب الله العبد الذي صلى هذه الصلاة» (بحار الأنوار، ج٨٨، ص٣٨٤)
شاع بين الجُهال بأن من يصلِ ليلة الاثنين خمسين ركعة وفي ذمته قضاء صلوات فأن الله لا يحاسبه عليها، هم لا يعرفون كفارة ترك الصلاة، وظنوها هي نفسها القضاء التي في الذمة، مثلاً صلاة العشاء إذا فاتتك فكفارتها صيام يوم كما في الأحاديث هذا صيام اليوم كفارة عن الذنب في ترك صلاة العشاء، وليس معناه سقوط ما في الذمة، ترك الصلوات ذنب عظيم كفارته الإتيان بتلك الركعات الخمسين، لتكفر عن ذلك الذنب هذا شيء واتيان ما في الذمة شيء آخر؛ لذلك الأخذ من الجاهل كفر عدم مكافحة الجهل كفر، وإلا ما هي وظيفة العالم، إذا كان لا يكافح ويستأصل الجهل، هنا سيسلب الله منه التوفيق.
“الخلاصة “
طلب العلم (الفقه) فريضة، وتارة تكون عالمًا وتارة تكون متعلمًا في الأحكام الابتلائية التي أنت تبتلى بها، مثلاً التاجر مبتلى بأحكام التجارة فعليه معرفتها وإلى آخره؛ طلب العلم والاستمرار فيه صعب جداً، على كثير من الناس ويحتاج إلى إخلاص وتوفيق إلهي، ولذلك صار مقام العالم شريفًا، فأنت قارن كيف يمكن أن يكون طلب العلم فريضة بين شخص يكافح السنين في معرفة الحاكم من المحكوم، وشخص جالس على الإنترنيت يقرأ الحديث ويكون عالماً لا يمكن، لذلك الجهال يضيعون في بحور جهلهم.

مارس 19, 2026