بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
رُوي عن الإمام جعفر الصادق، عليه أفضل الصلاة والسلام، في كتاب التوحيد، لِتلميذه المفضل بن عمر رضي الله عنه:
«وآكلاتُ اللحم لما قُدِّر أن تكون معائشُها من الصيد، خُلقت لها أكُفٌّ لطافٌ مدمجة، ذواتُ براثنَ ومخالبَ تصلح لأخذ الصيد ولا تصلح للصناعات، وآكلاتُ النبات قُدِّر أن يكونوا لا ذواتِ صيدٍ ولا ذواتِ صنعة، فخُلِق لبعضها أظلافٌ تقيها خشونةَ الأرض إذا حاولت طلبَ المرعى، ولِبعضها حوافرُ مُلملمةٌ ذواتُ قَعْرٍ كأخمصِ القدم تنطبق على الأرض عند تهيئها للركوب والحمولة. تأمّل التدبير في خلق آكلات اللحم من الحيوان، حين خُلقت ذواتِ أسنانٍ حِداد، وبراثنَ شداد، وأشداقٍ وأفواهٍ واسعة، فإنّه لما قُدِّر أن يكون طَعمُها اللحم خُلقت خلقةً تشاكل ذلك، وأُعينت بسلاحٍ وأدواتٍ تصلح للصيد، وكذلك تجد سباعَ الطير ذواتِ مناقيرَ ومخالبَ مهيّأة لفعلها، ولو كانت الوحوش ذواتَ مخالبَ لكانت قد أُعطيت ما لا تحتاج إليه، لأنها لا تصيد ولا تأكل اللحم، ولو كانت السباعُ ذواتِ أظلافٍ لكانت قد مُنعت ما تحتاج إليه، أعني السلاحَ الذي تصيد به وتتعيّش. أفلا ترى كيف أُعطي كلُّ واحدٍ من الصنفين ما يشاكل صنفه وطبقته، بل ما فيه بقاؤه وصلاحه».
(التوحيد للمفضل ص٩٦)
يبيّن الإمام (عليه السلام) أن الحيوانات آكلة اللحم خُلقت بما يناسب معيشتها القائمة على الصيد، فمُنحت أيدي خفيفة متماسكة، ذات مخالب وبراثن، وأسنان حادة، وأفواه واسعة، لتتمكن من الصيد وأكل اللحم، لا لمزاولة الصناعات. وكذلك سِباعُ الطير خُلقت بمناقير ومخالب مهيّأة لوظيفتها.
أما آكلات النبات، فلم تُخلق للصيد ولا للصناعة، بل جُعل لبعضها أظلافٌ تحميها من خشونة الأرض عند طلب المرعى، وللبعض الآخر حوافرُ مهيّأة للركوب والحمل.
ثم يوضح الإمام أن هذا التدبير قائم على الحكمة؛ فلو أُعطيت آكلاتُ النبات مخالبَ لكان ذلك مما لا تحتاج إليه، ولو كانت السباعُ ذواتَ أظلافٍ لافتقدت السلاح الذي تعيش به. وهكذا يتجلّى أن كل صنفٍ قد أُعطي ما يلائم طبيعته، ويحقق بقاءه وصلاحه.
هذا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
