” أحمد الحسن، ورواية المهديون الاثني عشر، والخطأ الشائع في تفسير من هم المهديون “

أكتوبر 21, 2026

مقدمة

هذا الموضوع من المواضيع الدسمة والمهمة والمعقدة، فأرجو منكم أن تركّزوا معي. من أسباب الغموض في هذه الرواية أن عندنا الأئمة سلام الله عليهم اثني عشر، والرواية تقول: المهديون اثنا عشر. فهل هم الأئمة؟ وهل يمكن إطلاق لفظة «المهديين» على الأئمة؟ نعم، يمكن بالاتفاق لأنهم مهديون. وعندنا رواية أخرى تقول: المهديون أحد عشر. فكيف نفسّر هذه الرموز؟ وهل ينطبق ذلك على أحمد بن الحسن الذي يدّعي أنه واحد منهم؟ وقد لا أجيب عن كل هذه الأسئلة سؤالًا وجوابًا، ولكنكم ستعرفون الجواب من خلال طرحي.

وقد اطلعتُ على أغلب أجوبة إخوتنا الشيعة، وهم يريدون الدفاع، ولكن ليس بهذه الطريقة، فبعضهم يطعن في المصدر، وبعضهم في السند، وبعضهم في سليم بن قيس. وهذا خطأ علمي فادح. فهذه الرواية في مختصر بصائر الدرجات عن المعصوم، وليس لي أن أقول صحيح أو غير صحيح، فهذا قول المعصوم (سلام الله عليه).

نص الرواية

عن علي بن سنان، عن علي بن الحسين، عن أبيه الحسين، عن أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الليلة التي كانت فيها وفاته لعلي (عليه السلام):«يا أبا الحسن، أحضر صحيفة ودواة». فأملى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصيته حتى انتهى إلى هذا الموضع، فقال: «يا علي، إنه سيكون بعدي اثنا عشر إمامًا، ومن بعدهم اثنا عشر مهديًّا، فأنت يا علي أول الاثني عشر…».¹

ثم عدّد أسماء الأئمة (صلوات الله عليهم)، وقال لعلي:«سمّاك الله في سمائه: عليًّا المرتضى، وأمير المؤمنين، والصدّيق الأكبر، والفاروق الأعظم، والمأمون، والمهدي.»
فإذا كان لفظ المهديين يُطلق على الأئمة فلا إشكال في ذلك. وقد فسّر الشيخ محمد السند، وهو رجل محترم، الرواية بأن الأئمة يرجعون في الرجعة فيصيرون اثني عشر وهم المهديون، وهذا احتمال واستحسان، لكن العمل بالرواية يختلف.

ثم تقول الرواية في الإمام الحجة:

«فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمد المستحفظ من آل محمد صلى الله عليه وآله … فذلك اثنا عشر إمامًا، ثم يكون من بعده اثنا عشر مهديًّا، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه أول المهديين».

التفسير الشائع وإشكاله

أجمع الشُّرّاح في المواقع والإنترنت على تفسير العبارة «فإذا حضرته الوفاة» بأنها في الإمام المهدي نفسه، أي أن الإمام الحجة تحضره الوفاة فيسلّم الأمر إلى ابنه أول المهديين. وهذا التفسير خطأ فادح في المتن، وسببه: أولًا: أن القاعدة عندنا أن تُعرض كل الروايات على الكافي الشريف. وفي الكافي عن أبي حمزة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال: «لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت».²

عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: قلت له: أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال: «لا». قلت: فإنا نروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنها لا تبقى بغير إمام إلا أن يسخط الله تعالى على أهل الأرض أو على العباد. فقال: «لا، لا تبقى، إذًا لساخت».³

ومعنى «ساخت» ليس أن العذاب يُسلَّط على أهل الأرض، بل أن الأرض كلها تنهار ويختل النظام الكوني، فتقوم القيامة. والسبب أن الله لا يعبث، فكيف يبقي الأرض بلا حجة علينا؟

وفي رواية أخرى: سأله رجل: أتخلو الأرض ساعة من أن يكون فيها إمام؟ قال: «لا تخلو الأرض من الحق». وفي كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق، عن كميل بن زياد، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلام طويل: «اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، ظاهر مشهور أو خائف مغمور».⁴

فالقاعدة أن الإمام موجود، ظاهرًا كان أو غائبًا، وهذه أكبر نعمة. وكلنا نأكل ونشرب ونعيش ببركات الإمام. فإن مات الإمام لم يبقَ للأرض قيمة، وقامت القيامة. فكيف تُميتون الإمام صاحب العصر والزمان وتجعلون بعده اثني عشر مهديًّا؟ بأي دين وبأي إسلام؟ ولو فعلتم لكنتم قتلتم الإمام بإجماعكم وفق هذه الرواية، ولسحقكم الناصبي بحجة أن الأرض لا تخلو من حجة.

ثانيًا:

أن المهديين ناس مؤمنون، ولفظ «المهدي» يُطلق على كل من يهدي الناس إلى آل محمد. وقد وصفتهم الرواية بأنهم مهديون ومؤمنون، لا أئمة ولا معصومون. فما قيمتهم مقابل الأئمة الاثني عشر الذين هم أوتاد الأرض، ولولاهم لساخت؟ وتراب أقدام المهديين على رأسي، ويكفيهم فخرًا أنهم خدموا الإمام، ولكنني أتحدث بالمقارنة مع المعصومين. فلا يبقي الله الأرض من أجلهم، ولا يصلون إلى مقام الحجة الذي يحفظ الكون.

تفسير الرواية: المهديون يعملون تحت أمرة الإمام

قول الرواية «ثم يكون من بعده اثنا عشر مهديًّا» أي من بعد ظهوره، فيعمل هؤلاء المهديون تحت أمرة الإمام صاحب العصر والزمان، خدّامًا له وبإشرافه. وليس المهم أن يكونوا اثني عشر أو خمسين، المهم أنهم يعملون تحت أمرة الإمام. والإمام موجود، فلا يموت.

فإن قلتَ: فما معنى «فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه أول المهديين»؟ فالجواب أن الضمير يعود إلى أول المهديين، لا إلى الإمام. فالحديث عن هؤلاء الاثني عشر: أولهم إذا حضرته الوفاة سلّم المهام إلى الثاني، وهكذا في سلسلة التكليف.

ودليل ذلك ما في مختصر بصائر الدرجات (ص38، )، في حديث طويل أنه قال: «يا أبا حمزة، إن منا بعد القائم أحد عشر مهديًّا من ولد الحسين عليه السلام» ⁵
فالمهديون اثنا عشر يُطلق عليهم هذا اللفظ، لكن مهام التكليف على أحد عشر لا على اثني عشر. وأول واحد منهم مهدي وليس له مهام، وإنما مهمته أن يسلّم المهام إلى أول المهديين الذين كُلّفوا بها من بعده. ولا نعرف تفصيل حكمة الإمام في ذلك، ولكن التكليف الحقيقي في رواية الأحد عشر. وبهذا التفسير تتطابق الروايتان، وكلهم يعملون تحت أمرة الإمام.

أحمد بن الحسن

لا علاقة لأحمد بن الحسن بهذه الرواية لا من قريب ولا من بعيد. فهو يطلب الناس أن يصدّقوه برواية، وهذه الرواية نفسها تُبطل دعواه. والشيعة هم الذين أعطوه الصلاحية حين يطالبونه بمعجزة. فإذا كان هو المهدي نفسه، فالمهديون الاثنا عشر بعد الأئمة لا يستطيعون الإتيان بمعجزة، فهم رجال مؤمنون تحت قيادة الإمام، لا صلاحية لهم، وإنما بأمر الإمام وبحضوره. فمطالبته بمعجزة خطأ كبير، وكذلك وضعه المهديين في مقام الأئمة. وهؤلاء المعصومون الاثنا عشر هم أشرف الناس على وجه الكون بعد رسول الله، فلا يصل إلى مقامهم إبراهيم ولا نوح ولا آدم ولا يوسف ولا موسى ولا عيسى، ولفاطمة الزهراء مقام لا يعرفه أحد.

فندعو أحمد بن الحسن ومن معه إلى الرجوع إلى التشيع الصحيح والتوبة إلى الله، ولا نرفضهم ولا نكفّرهم ولا نلعنهم، فهم شيعة ضلّوا. ونحن دعاة إلى آل محمد، والدعوة تقتضي الصدق والإنصاف وإلقاء الحجة والكلمة. وأرفض أن يُسبّوا أو يُلعنوا، ولكن عليهم أن يتوبوا ويرجعوا إلى رشدهم.

الخلاصة

أولًا:

الأئمة اثنا عشر، وبعدهم، أي بعد ظهور الإمام الحجة، اثنا عشر مهديًّا هم مؤمنون يعملون بخدمته.


ثانيًا:

إذا مات أحدهم سلّم المهام إلى الآخر، وأول واحد منهم ليس له مهام، فيسلّم المهام إلى أول المهديين المكلَّفين، وهم أحد عشر بدليل رواية «أحد عشر مهديًّا».

ثالثًا:

لا يجوز تفسير «فإذا حضرته الوفاة» بموت الإمام الحجة، لأن الأرض لا تخلو من حجة ولا تبقى بغير إمام.

رابعًا:

المنهج الصحيح في تفسير روايات أهل البيت أن يُرجع فيما لا يُفهم منها إلى قول المعصوم هو الذي يفسّر، دون استحسان أو استذواق، وأن تُطبَّق الروايات مئة بالمئة.

ملحق:

هذا الحديث لم يذكره الشيخ واثق الشمري في المحاضرة، لكنه يؤيد قوله، وقد أوردناه هنا من باب الفائدة.

عن أبي بصير قال: قلت للصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام):«يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سمعت من أبيك (عليه السلام) أنه قال: يكون بعد القائم اثنى عشر مهديا فقال: إنما قال: اثنى عشر مهديا ولم يقل اثنا عشر إماما، ولكنهم قوم من شيعتنا يدعون الناس إلى موالاتنا، ومعرفة حقنا.» ⁶

المصادر

1_ مختصر بصائر الدرجات – ص، 143- 145
2_ الكافي الشريف – ج1 – ص179
3_ نفس المصدر السابق
4_ بحار الأنوار – ج23 – ص51
5_ مختصر بصائر الدرجات – ص 142
6_ بحار الأنوار – ج53 – ص149

اترك تعليقاً