الشيخ واثق الشمري يصحح حديث الأئمة ثلاثة عشر ويحل لغزا دام ألف وأربعمائة سنة

أكتوبر 3, 2026

مقدمة

شغل حديث «الأئمة ثلاثة عشر» حيّزًا كبيرًا في أذهان الإمامية، وهو من المواضيع المعقدة. وعندما لا تجد علة مقنعة في إنكار الحديث فلا بد أن تبحث عن العلة الحقيقية في بيانه. وقد اطلعتُ على جميع أقوال الإخوة الشيعة والعلماء فوجدتُ تعليلهم في إنكار هذا الحديث تعليلًا عليلًا جدًّا.

تعليل العلماء بالتصحيف

أقوى أقوالهم وأقصاها أن هذا تصحيف، أي خطأ من الكاتب، وقد مضى ذلك في التأليفات والكتب، وكلهم يقولون إنه خطأ من الكاتب، وهذا باطل جدًّا. فهذا لا يتكرر في رواية وروايتين وثلاث. والباحث الحَسِب المحقق اللبيب يقول: هنالك شيء لا تستقر له نفسي، فالخطأ لا يتكرر بهذه الصورة المتطورة وبروايات عديدة، ولا يمكن للمخطئ أن يستمر على ذلك. ومن جملة الطعون على كتاب سليم أنه روى حديث الثلاثة عشر.

ينقل الشيخ محمد تقي التستري، قال التفريشي:«ليس في كتاب سليم أن الأئمة اثنا عشر من ولده، بل فيه أنهم عليهم السلام ثلاثة عشر من ولد إسماعيل، أي الاثنا عشر مع النبي صلى الله عليه وآله، فكأن النجاشي أو غيره اشتبهوا. يعني قال: إن الأئمة ثلاثة عشر من ولد إسماعيل عليه السلام، فقد رسول الله (صلى الله عليه وآله) واحدهم فصاروا ثلاثة عشر. ونسخ كتاب سليم مختلفة بالزيادة والنقصان اختلافًا شديدًا. وأما الخبر الذي قال هبة الله، وإن لم يكن فيما وصل إلينا من نسخته، فهو ما نقله المسعودي في كتابه «تنبيه الأشراف»، فقال: إن في كتاب سليم الذي رواه عنه أبان أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): أنت واثنا عشر من ولدك أئمة الأرض والصواب في الجواب أن الكتاب دُسّ فيه.» ¹

الروايات

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إني واثني عشر من ولدي وأنت يا علي زِرُّ الأرض، يعني أوتادها وجبالها، بنا أوتد الله الأرض أن تسيخ بأهلها، فإذا ذهب الاثنا عشر من ولدي ساخت الأرض بأهلها ولم يُنظَروا».²

القاعدة والإشكال

القاعدة الأولى: الذين يحملون رسالة رسول الله (صلى الله عليه وآله) هم اثنا عشر عند النواصب وعند الروافض. والمشكلة التي لدينا تحتاج إلى دقة حادة جدًّا لتصل إلى حقيقة القضية: عندنا في الروايات الأئمة أحد عشر بعد أمير المؤمنين، وعندنا الأئمة اثنا عشر، وعندنا «أنت ومن ولدك اثنا عشر»، فصاروا ثلاثة عشر. أما الأحد عشر بعد علي فلا نتحدث فيه لأنه واضح، ولدينا اثنا عشر أيضًا نضعه على صفحة المشكلة، أي أن هنالك روايات مثل ما ذكرتُ لكم عن كتاب سليم، وإن لم أنقله من كتاب سليم وإنما نقلته من كتاب الكافي.

والجواب: أن جميع الروايات التي تتحدث عن اثني عشر بعد علي تتحدث عن المقام ولا تتحدث عن المهام. وأما الروايات التي تتحدث عن الأئمة اثني عشر بعد رسول الله فرائحة الرواية فيها أنهم حملة رسالة رسول الله، فجاء النص أنهم اثنا عشر. وجميع الروايات بعد علي اثنا عشر تتحدث عن المقام والتفاضل ولا تتحدث عن المهام، ولا إشكال في هذا. فما المانع أن يكون إنسان نبيًّا بدون أن تكون عنده مهام؟ فكم عندنا من نبي بمقام النبوة لا رسالة له؟

روايات المهام

عن سيد الشهداء الحسين (عليه السلام)، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «الأئمة من بعدي اثنا عشر، أولهم أنت يا علي تحمل تلك الرسالة، وآخرهم القائم الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها».³

فهذا الحديث ليس في قضية العدد اثني عشر، بل في قضية المهام، فالرسول يقول: حملة الرسالة من بعدي اثنا عشر. فهو بيان لوظيفة الإمامة.

عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول للحسين(عليه السلام): «يا حسين، أنت الإمام ابن الإمام أخو الإمام، تسعة من ولدك أئمة أبرار، تاسعهم قائمهم». فقيل: يا رسول الله، كم الأئمة بعدك؟ قال: «اثنا عشر، تسعة من ولد الحسين».⁴

هنا يبيّن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مهام الإمامة. وتجد دائمًا في الحديث عن الأئمة الاثني عشر أنه امتداد طبيعي لسيرة رسول الله في التبليغ والإرشاد، وقسم من الأحاديث يبيّن المقام، أما بيان الوظيفة فاثنا عشر لا يمكن أن يكون غيرهم.

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن الله أرسل محمدًا (صلى الله عليه وآله) إلى الجن والإنس، وجعل من بعده اثني عشر وصيًّا، منهم من سبق ومنهم من بقي، وكل وصي جرت به سنة، والأوصياء الذين من بعد محمد صلى الله عليه وآله على سنة أوصياء عيسى».⁵

ومعناه أن هؤلاء أيضًا مرسلون إلى الإنس والجن، يمضون على منهج رسول الله لإتمام رسالته (صلى الله عليه وآله). وبهذا اللحاظ فأحاديث الأئمة اثني عشر بيان لمهام الإمامة وليس للمقام.

وبهذا الإسناد في نفس المصدر، عن أمير المؤمنين أنه قال لأبي بكر يومًا: «﴿وَلَا تَحسَبَنَّ الَّذِينَ قتِلُوا فِي سبِيلِ اللَّهِ أَموَاتا بَلْ أَحيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرزَقُونَ﴾، وأشهد أن محمدًا (صلى الله عليه وآله) مات شهيدًا، والله لَيَأتينّك فأيقن إذا جاءك، فإن الشيطان غير متخيّل به». فأخذ علي بيد أبي بكر، فرآه النبي فقال له: «يا أبا بكر، آمِن بعلي وأحد عشر من ولده، وإنهم مثلي إلا النبوة، وتُب إلى الله مما في يدك».⁶

فلماذا أحد عشر، مع أن عندنا روايات تقول اثنا عشر من ولده؟ لأن هنا الحديث عن المهام وليس المقام. فجميع الأحاديث التي تتحدث عن الأئمة المعصومين اثني عشر تتحدث عن المهام، وهم حملة رسالة رسول الله في الأرض، والامتداد الطبيعي، وهو نص لا يقبل الزيادة ولا النقصان. أما الحديث الذي يوحي إليك بثلاثة عشر، اثني عشر من بعد علي، فهو يتحدث عن المقام، وشتّان ما بين المقام والمهام.

روايات المقام

عن أبي جعفر عن جابر الأنصاري قال: «دخلت على فاطمة (عليها السلام) وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء من ولدها، فعددت اثني عشر، آخرهم القائم (عليه السلام)».⁷

هنا يتحدث عن المقام وليس عن المهام، فمقامهم أوصياء. فضع الأئمة الاثني عشر بعد علي، وسترى سرًّا كاملًا يتحدث عن مقامات الإمامة. فعندك جدولان: الأول للمهام، وهو يتحدث عن الذين يحملون رسالة الله ويكملون مهام رسول الله، وهم اثنا عشر، وقد يكون فيه بيان شيء من فضائلهم، والأصل أنه يتحدث عن حملة المهام. والثاني الذي يتحدث عن المقامات، ويوحي إليك أنهم ثلاثة عشر بعد علي اثنا عشر. فما المشكلة؟ لا فرق إن كانوا اثني عشر أو عشرين، فتُذكر مقاماتهم. ولكن ما من أحد في الكون كله يصل إلى مقام الإمامة.

مقام المحسن (عليه السلام)

وعندما تأتي إلى مقام المحسن (عليه السلام) تجد عنده نفس مقام الأئمة. فما الذي يمنع أن أعطيه مقام الأئمة بدون مهام، إذا كان الله يبعث أنبياء لهم مقامات النبي وليس لهم مهام؟ فهل للمحسن مقام الإمام؟ طبعًا، فهو ابن فاطمة وابن علي وذكر وليس أنثى، وكل المواصفات الطبيعية التي تجعله إمامًا موجودة.

«فصاح أمير المؤمنين بفضة: إليكِ مولاتكِ فاقبلي منها ما تقبل النساء، وقد جاءها المخاض من الرفسة، فردّت الباب فسقط مُحسِنٌ (عليه السلام) قتيلًا، وعرفت فاطمة أمير المؤمنين إليه التسليم، فقال لها: يا فضة، لقد عرفه وعرفني وعرف فاطمة وعرف الحسن وعرف الحسين اليوم بهذا الفعل، ونحن في نور الأضلة أنوارًا عن يمين العرش، فواريه بقعر البيت فإنه لاحق بجده رسول الله (صلى الله عليه وآله)».⁸

فإذا كان الأوصياء اثني عشر من ولد علي، فالمقصود بهذا هو المحسن (عليه السلام) بنص هذا الحديث.
————————————————————–
المصادر:
1_ قاموس الرجال للشيخ محمد تقي التستري – ج10 – ص500
2_ الكافي – ج1 – ص534
3_ الأمالي – للشيخ الصدوق – ص172/173
4_ بحار الأنوار – ج 36 – ص 439
5_ الكافي – ج1 – ص532/535
6_ الكافي – ج1 – ص533
7_ الكافي – ج1 – ص532
8_ الهداية الكبرى للخصيبي – ص408

اترك تعليقاً