بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
تخيلوا معي عراقًا مختلفًا، عراقًا تستيقظ فيه ذات صباح فلا تجد الحواجز التي اعتادت عيون العراقيين أن تراها في الشوارع، ولا السيطرات التي قطّعت المدن وأثقلت حركة الناس، ولا الصبات الكونكريتية التي أصبحت جزءًا من المشهد اليومي حتى كأنها من طبيعة البلاد.
تخيلوا أن المواطن يمشي في وطنه وهو يشعر أن هذا الوطن له، وأن الدولة موجودة لتحميه لا لتقيّد حركته، وأن الكهرباء التي انتظرها العراقيون سنوات طويلة بدأت تعود بصورة مستقرة، وأن محطات الكهرباء التي أهملت أو تعطلت بدأت تدخل مرحلة الإصلاح والعمل.
ثم تخيلوا أن هذا التغيير لم يكن مجرد تبديل أسماء ومناصب، وإنما بداية مشروع يريد أن يعيد بناء الدولة من أساسها.
هنا يظهر السؤال: ماذا سيحدث للعراق لو تغيّر الحكم، ووصل مشروع الشيخ واثق الشمري إلى إدارة الدولة؟
هذه المقالة لا تتحدث عن أمنيات عابرة، ولا عن وعود انتخابية، وإنما تحاول أن ترسم صورة افتراضية للعراق كما يُطرح ضمن هذا المشروع، منذ اليوم الأول للتغيير، وصولًا إلى شكل الدولة والمجتمع وحياة المواطن.
فكيف سيكون العراق؟
اليوم الأول… عراق بلا قيود
في اليوم الأول من التغيير، تبدأ الدولة بإعادة النظر في المشهد الأمني داخل المدن، تُرفع السيطرات الموجودة في الشوارع، وتُزال الحواجز والصبات التي قطعت الطرق وأثقلت حركة المواطنين، لتُفتح الشوارع أمام الناس بصورة طبيعية.
الفكرة هنا ليست إلغاء الأمن، وإنما نقل وظيفة الأمن من تقييد المواطن إلى حمايته.
فالدولة القوية ليست التي تجعل المواطن يشعر بأنه محاصر، وإنما التي تستطيع حماية شوارعها ومؤسساتها ومواطنيها من دون أن تجعل الحياة اليومية سلسلة من القيود.
وفي الوقت نفسه تبدأ معالجة ملف الكهرباء وإصلاح المحطات وشبكات التوزيع، لتكون عودة الكهرباء واحدة من أولويات المرحلة الجديدة.
شكل الحكم… قائد واحد ومؤسسات تعمل تحت إشرافه.
بحسب التصور المطروح، لن يكون الحكم قائمًا على تعدد مراكز القرار وتشتت المسؤوليات، وإنما على نظام القائد الواحد الذي يدير مفاصل الدولة، ويعمل معه معاونون ومسؤولون يتولون الملفات المختلفة تحت إشرافه وحكمه.
ويقوم هذا التصور على فكرة أن تعدد مراكز القرار وتضارب الصلاحيات يمكن أن يؤدي إلى تعطيل الدولة، ولذلك يكون القرار السياسي والإداري مركزيًا وواضحًا، مع وجود معاونين ومسؤولين لتنفيذ هذا القرار في مختلف مؤسسات الدولة.
وهنا تصبح المسؤولية أوضح: من يملك القرار، يتحمل مسؤولية نتائجه.
فلا تبقى الدولة دائرة من المسؤولين الذين يلقي بعضهم مسؤولية الفشل على بعض، وإنما يصبح الحاكم الأول مسؤولًا بصورة مباشرة عن نجاح الدولة أو إخفاقها.
الفساد… من 2003 إلى اليوم
واحدة من أكبر الملفات التي سيواجهها الحكم الجديد ستكون قضية الفساد، وبحسب التصور الذي تطرحه هذه الرؤية، فإن معالجة الفساد لن تكون باعتقال موظف صغير أو محاسبة شخص واحد، وإنما بمحاولة استئصال الفساد من جذوره.
ويشمل ذلك فتح ملفات الفساد ومحاسبة من تثبت مسؤوليته عنه منذ عام 2003 وحتى يومنا هذا، وفق القانون والقضاء.
لا حصانة لمنصب، ولا حماية لحزب، ولا استثناء لجماعة، ولا ينبغي أن يكون المال العام ملكًا لمن وصل إلى السلطة.
فالمال الذي سُرق من العراق ليس مجرد أرقام في سجلات الدولة؛ إنه مدارس لم تُبنَ، ومستشفيات لم تُجهز، وطرق لم تُصلح، وفرص عمل ضاعت، وخدمات حُرم منها المواطن.
ولهذا فإن محاسبة الفاسدين ـ وفق القانون ـ ستكون اختبارًا أساسيًا لأي مشروع يدعي أنه جاء لبناء دولة جديدة.
الماء… عودة الحياة إلى العراق
العراق ليس بلد النفط وحده، العراق بلد دجلة والفرات، بلد الأنهار والأهوار والزراعة، ولهذا فإن إعادة تنظيم المياه وفتح طرق الري وإحياء الأراضي الزراعية ستكون جزءًا أساسيًا من مشروع إعادة بناء الدولة.
تُفتح قنوات الري، وتُعاد الحياة إلى المناطق الزراعية، وتُعالج المشكلات التي أدت إلى تراجع الزراعة، وتُفتح طرق الأهوار وتُعاد العناية بهذه المناطق التي تمثل جزءًا مهمًا من هوية العراق الطبيعية والتاريخية.
ولا يتوقف الأمر عند توفير الماء، بل يمتد إلى حماية الماء نفسه، فمن غير المعقول أن يمتلك العراق أنهارًا عظيمة ثم يسمح بتلوثها وإهمالها.
ولهذا يأتي تنظيف الأنهار ومعالجة التلوث البيئي وإعادة تأهيل المناطق المتضررة ضمن مشروع بيئي أوسع.
العراق يعود إلى الزراعة
حين يعود الماء إلى الأرض، يمكن أن تعود الزراعة إلى الحياة، فالعراق الذي كان قادرًا على إنتاج غذائه لا ينبغي أن يبقى معتمدًا بصورة واسعة على استيراد احتياجاته الأساسية.
إعادة تأهيل الأراضي الزراعية، ودعم الفلاح، وتطوير طرق الري، وتحسين البنية التحتية الزراعية، كلها يمكن أن تجعل الزراعة جزءًا أساسيًا من الاقتصاد العراقي، وهنا لا يكون الهدف مجرد توفير الطعام، وإنما إعادة بناء اقتصاد متنوع لا يعتمد على مورد واحد.
البنية التحتية… إعادة بناء ما تهدم
بعد سنوات طويلة من الحروب والإهمال وسوء الإدارة، سيكون ملف البنية التحتية من أكبر ملفات الدولة، الطرق، الجسور، شبكات الماء، شبكات الصرف الصحي، الكهرباء، المؤسسات الصحية، المدارس، المرافق العامة.
كلها تحتاج إلى إعادة تأهيل وتطوير، والفكرة الأساسية هي أن الدولة لا تُبنى بالخطابات، وإنما بما يراه المواطن في حياته اليومية.
حين يجد طريقًا صالحًا، ومستشفىً يعمل، ومدرسةً مناسبة، وماءً نظيفًا، وكهرباء مستقرة، يعرف أن الدولة بدأت تعمل فعلًا.
العراق وعلاقته بالعالم
أما على المستوى الخارجي، فالعراق ـ وفق هذه الرؤية ـ لا ينبغي أن يعيش في عزلة عن العالم، ولا أن يكون تابعًا لدولة أخرى، بل تقوم علاقته بالدول الأخرى على الاحترام المتبادل وتبادل المصالح، لا عداء دائم، ولا تبعية دائمة، ولا تحويل العراق إلى ساحة صراع بين الآخرين.
العراق دولة ذات سيادة، ومن الطبيعي أن تكون له علاقات مع الجميع، ولكن أساس هذه العلاقات هو مصلحة العراق واحترام سيادته.
فالدولة القوية تستطيع أن تكون صديقة للجميع دون أن تكون تابعة لأحد.
حرية المعتقد… الدولة تحمي الجميع
ومن الأفكار التي يمكن أن تغيّر شكل الحياة الاجتماعية إنشاء حديقة كبيرة مخصصة للتعبير الديني والفكري، تكون فيها منابر لمختلف الأديان والمعتقدات، بحيث يستطيع أصحاب كل دين أن يعبروا عن معتقداتهم ويدعوا إليها، ضمن إطار القانون، فلكل إنسان حقه في معتقده، ولا يحق لأحد أن يفرض معتقده على غيره، الدولة لا تتدخل في عقيدة الإنسان، لكنها تفرض القانون على الجميع.
فالمواطن المسلم له حقه، والمسيحي له حقه، والصابئي له حقه، وكل من يعيش في العراق ويحترم القانون له حقه في ممارسة معتقده والتعبير عنه في إطار النظام العام.
وبذلك تكون الدولة حامية للإنسان وحقوقه، لا طرفًا في النزاع بين معتقد وآخر.
وماذا عن المواطن العراقي؟
ربما يكون أهم سؤال في نهاية كل هذا: ماذا سيحصل للمواطن؟ فالسياسة لا قيمة لها إذا لم تنعكس على الإنسان، المواطن العراقي الذي عانى طويلًا من الحواجز والسيطرات والبطالة وضعف الخدمات والفساد، يريد أن يشعر بأن الدولة تحميه وتحفظ كرامته، وفي هذا التصور، يكون الهدف أن يصبح المواطن العراقي من أكثر شعوب العالم احترامًا وكرامة، وأن يحمل جواز سفر عراقيًا يتمتع بمكانة قوية عالميًا، وأن تكون خلفه دولة تحميه وتحفظ سيادتها وسيادته كمواطن، أن يسافر العراقي وهو يحمل جوازه مرفوع الرأس، أن يعرف العالم أن وراء هذا الجواز دولة قوية تحترم مواطنيها، أن لا يكون العراقي مضطرًا إلى إثبات قيمته بسبب جنسيته، بل تكون الجنسية العراقية بحد ذاتها عنوانًا لدولة تحمي أبناءها وتحفظ حقوقهم.
العراق الذي يمكن أن يكون
العراق الذي نتحدث عنه هنا ليس عراقًا خياليًا من عالم آخر، إنه العراق نفسه، العراق الذي يمتلك النفط، ويمتلك المياه، ويمتلك الأراضي الزراعية، ويمتلك الأهوار، ويمتلك الجامعات، ويمتلك الأطباء والمهندسين والأساتذة والعلماء، ويمتلك ملايين الشباب، ويمتلك تاريخًا وحضارةً لا تحتاج إلى من يعرّف العالم بها، المشكلة لم تكن يومًا أن العراق لا يملك شيئًا.
بل إن السؤال الحقيقي كان دائمًا: كيف تُدار هذه الثروات؟ ومن يتحمل مسؤولية إدارتها؟ وإلى أين يريد أن يأخذ الدولة؟
وهنا تكمن أهمية أي مشروع يطرح نفسه لتغيير الواقع.
كلمة أخيرة
قد يختلف العراقيون في رؤيتهم لشكل الدولة وطريقة إدارتها، وقد تختلف آراؤهم تجاه أي مشروع سياسي، لكن هناك حقيقة لا ينبغي أن نختلف عليها: العراق يستحق دولة تحميه، وشعبه يستحق حياة تليق به.
والتغيير الحقيقي لا يكون بتغيير الأسماء وحدها، وإنما ببناء دولة تستطيع أن تحمي المواطن، وتوفر له الخدمات، وتصون المال العام، وتحافظ على سيادة العراق، وتعيد له مكانته بين دول العالم.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام العراقي: إذا تغيّر الحكم فعلًا، فهل يستطيع المشروع الجديد أن يحوّل هذه الرؤية إلى واقع؟ هذا هو الاختبار الحقيقي لأي قيادة تريد أن تحكم العراق، فالعراق لا يحتاج إلى أحلام تُقال فقط، بل إلى أحلام تتحول إلى دولة.
