ظهر المعمم الأصولي حسن الموسوي منكراً وجود صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف بسبب الغيبة، زاعماً أن الغيبة تعني انعدام الفائدة، وأن عدم تحقق الفائدة يدل على عدم وجوده. وهذه الدعوى تكشف جهلاً واضحاً بحقيقة الغيبة التي جرت في الأنبياء والرسل، ولم يجعلها الله دليلاً على انتفاء وجودهم أو بطلان حجتهم.
فإذا كانت الغيبة بذاتها دليلاً على عدم الوجود، فإن غيبة نبي الله عيسى عليه السلام دليل على عدم وجوده و غيبة نبي الله إدريس و غيبة نبي الله موسى وغيبة نبي الله صالح على نبينا وآله وعليهم الصلاة والسلام كلها تدل على عدم وجودهم.
فبهذا المبدأ الأغبر يصبح هؤلاء الأنبياء لا وجود لهم لأنهم غابوا؟ وهل كانت الغيبة دليلاً على انتفاء الحجة؟
وهنا ينهدم أصل الدعوى، لأن الغيبة ليست دليلاً على عدم الوجود، ولا عدم معرفة جهة الانتفاع دليلٌ على عدم الوجود، وإلا لوجب إنكار كثير من الأنبياء الذين غابوا عن أقوامهم.
بل إن السؤال الذي يوجَّه إلى القائلين بهذا الكلام سؤال لا جواب لهم عنه:
إذا كنتم تقولون: ما فائدة غيبة المهدي كل هذه السنين مع امتلاء الأرض ظلماً وجوراً؟
فنحن نسأل: ما فائدة عدم ولادة مهديكم إلى يومنا هذا، مع كل ما وقع في الأرض من الظلم وسفك الدماء والفساد؟
فإن كان انتشار الظلم دليلاً على بطلان الغيبة لأنه لم يظهر، فهو أيضاً دليل على بطلان القول بأنه سوف يولد مستقبلا.
إن وجود صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف ليس وجوداً عبثياً حتى يُقال ما فائدته، بل الروايات نصّت على تحقق الانتفاع به في غيبته.
فقد سأل جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وآله:
(ميزان الحكمة – ج 1 – ص 184)
«هل ينتفع الشيعة بالقائم عليه السلام في غيبته؟»
فقال صلى الله عليه وآله:
«إي والذي بعثني بالنبوة، إنهم لينتفعون به، ويستضيئون بنور ولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن جللها السحاب».
فالرواية صريحة في أن الانتفاع متحقق وإن كانت الغيبة موجودة.
وكذلك ورد عن صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف:
(بحار الأنوار – ج 52 – ص 92)
«وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيبتها عن الأبصار السحاب، وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء».
فالإمام نفسه بيّن وجه الانتفاع، وأن وجوده أمان لأهل الأرض وإن غاب عن الأبصار.
أما علة الغيبة فقد بيّنها الإمام الصادق عليه السلام، حيث قال:
(بحار الأنوار – ج 51 – ص 142)
«إن للقائم منا غيبة يطول أمدها».
فقيل له: ولم ذاك يا ابن رسول الله؟
قال: «إن الله عز وجل أبى إلا أن يجري فيه سنن الأنبياء عليهم السلام في غيباتهم، وأنه لابد له من استيفاء مدد غيباتهم».
فالغيبة سنة جرت في الأنبياء لأختبار اتباعهم وغيرها من العلل، وليست أمراً مستحدثاً حتى تُجعل سبباً لإنكار الحجة.
وعليه، فإن جعل الغيبة دليلاً على عدم وجود صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف دعوى لا تقوم على دليل، بل تصطدم بغيبات الأنبياء، وبالروايات التي أثبتت الانتفاع به في غيبته، وبينت أن وجوده أمان لأهل الأرض، وأن غيبته جارية على سنن الأنبياء عليهم السلام.
ولعمري ان كل الخلق يعيشون ويتنعمون ببركة وجوده الشرف عجل الله تعالى فرجه لأنه لو لم يكن موجودا لساخت الأرض بما عليها.
