عرض الشبهة
«ومن اتصال أمه برسول الله (صلى الله عليه وآله) من تلك الجهات في الأمهات وصار علي (عليه السلام) ابنه من وجهين، أولهما أنه ربَّاه حتى قالت فاطمة بنت أسد: كنتُ مريضة فكان محمد (صلى الله عليه وآله) يمص علياً لسانه في فيه فيرضع بإذن الله تبارك وتعالى».
(بحار الأنوار، ج٣٨، ص٣١٨)
«أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، إلى أن يقول، والنبي ابن عمه من وجهين، من عبد الله ومن أبي طالب ومن اتصال أمه برسول الله (صلى الله عليه وآله) بتلك الجهات في الأمهات، وصار عليٌ (عليه السلام) ابنه من وجهين: أولهما أنه ربَّاه حتى قالت: فاطمة بنت أسد كنت مريضة فكان محمد صلى الله عليه وآله يمص علياً لسانه في فيه فيرضع بإذن الله تبارك وتعالى، الثاني أنه ختن الرجل ابنه ولهذا يُهنّأ إذا ولدت له بنت فيقال هنيئاً الختن صهر النبي (صلى الله عليه وآله) وصمّه وربيبه وأخوه عند تعذر الإخوان…».
(مناقب آل أبي طالب، ج٢، ص١٨)
إذاً إخوتي الكرام، ورد في الخبر أن علياً عليه السلام في اليوم الأول الذي ولد فيه وهو طفل في المهد أنه مص لسان الرسول صلى الله عليه وآله فكان يرضع بإذن الله تبارك وتعالى.
التساؤلات والرد على الشبهة
قد يتساءل البعض: هل هذا ممكن؟ وكيف علي (عليه السلام) يمص لسان النبي صلى الله عليه وآله؟ ولنقف هنا، أولاً أين المشكلة في هذا؟ يعني طفل عمره يوم أو أقل من يوم وأمه مريضة، فكان النبي محمد صلى الله عليه وآله يمص علياً لسانه في فمه، وعمره يوم واحد، وهذه ليست غريبة ولا مشكلة فيها، انظروا كم طفل عندما يأتي إلى الدنيا يقبله أخوته أو والداه من فمه، فأين المشكلة في ذلك؟
وثانياً أين المشكك بأن هذا من الإعجاز؟ وهذه كرامة لعلي بن أبي طالب عليه السلام، فهو ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله وابن عمه وتربى في بيته، وهذا يدل على أن علياً أقرب الناس لرسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يرد في الروايات أن هناك أحداً رضع من ريق رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذه طهارة وعزة وعفة وكرامة، وهو عليه السلام ليس بكبير بل طفل عمره يوم، وهذه كرامة واضحة من رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي صلوات الله وسلامه عليه، وبيان منزلة أمير المؤمنين عليه السلام من رسول الله صلى الله عليه وآله، لذلك المتتبع في مناقب آل أبي طالب يرى أنه هنالك قرب كما مر في الحديث الذي ذكرناه: «وأخوه عند تعذر الإخوان»، وأنه ربيبه وزوج ابنته، وكثير من الأحاديث تدل على هذا القرب، فلا يوجد ما يبرر التنقيص والتصغير، فلأن أمه كانت مريضة عجزت عن إرضاعه، ولأجل هذا جرت المعجزة هنا، فلماذا لا تجري المعجزة في قضية إرضاع أبو طالب للنبي صلى الله عليه وآله؟
منهجية طرح المواضيع
يسألني الكثير عن منهجيتي، ولماذا أطرح هذه المواضيع؟ الجواب: إخوتي قد وجدت حيفاً وضيمًا على كثير من الروايات الموجودة في كتب الشيعة وبالخصوص الكافي المقدس، حيث يتجنب الباحثون الحديث عنها، إما لعدم فهمهم للرواية، وإما أنهم لا يريدون أن يخرجوا هذه الرواية إلى الساحة، وإما يعتبرون هذه الرواية منقصة للشيعة، وإذا أردتم أن تعرفوا منهجيتي فعليكم أن تعرفوا عاملين مهمين وهما:
العامل الأول
اعتقادي بصحة الحديث في الكافي المقدس وفي غيره من الكتب الثمانية.
العامل الثاني
كيفية قراءة الحديث.
بدعة تقسيمات الحديث والفهم الخاطئ للرواية
كثير من مدعي التشيع يعتقدون بالتقسيمات التي هي الضعيف والحسن والموثق وإلى آخره، وعندما طرحت قضية أبو طالب وإرضاعه للنبي صلى الله عليه وآله، تواصلت معي بعض الجهات الشيعية، قالوا: شيخنا كيف تقوي قضية إرضاع أبو طالب للنبي وفي سند الحديث رواة مطعون فيهم، وحتى المجلسي ضعف الرواية؟ لكن أنا أعتقد أنها صحيحة، وهذا يعتمد على رؤيتي للكافي المقدس، وعلى قراءتي للمتن، مثلاً بعض مدعي التشيع يقرأ العنوان ويفهم فهماً خاطئاً، أو بعض النواصب الحمقى يقرؤون العنوان الذي أطرحه ويقوم بإنشاء برنامج على العنوان، الغبي لا يكلف نفسه ويدخل يسمع الموضوع بشكل كامل ليفهم، فالنواصب عندهم غباء عجيب غريب، ومثله هذا الموضوع الذي نحن فيه، يعني إن قبلت هذا الإعجاز بهذه المسألة وأن علياً عليه السلام يمص لسان النبي صلى الله عليه وآله فيرضع بإذن الله تبارك وتعالى، يعني لماذا أقبلها هنا ولا أقبلها هناك؟ هل شنعوا النواصب على هذا الحديث؟ نعم، لأنهم حمقى، والنقيضان لا يجتمعان، العقل والناصبي لا يجتمعان.
الحديث عند النواصب
عن معاوية يقول: «رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يمص لسانه أو قال شفته، يعني الحسن بن علي، وإنه لن يُعذَّب لسان أو شفتان مصهما رسول الله صلى الله عليه وسلم».
(مسند أحمد بن حنبل، ج٤، ص٩٣)
تشنيع الرواية والتمسك بالروايات
هذا الناصبي الذي يشنع على الشيعة بقضية مقبولة وإعجازية، ولا توجد فيها شبهة أصلاً، يدل على أن هذا الناصبي يريد فقط التشنيع والاستهزاء بالشيعة، لذلك إخوتي لا تلوموني في طرح هذه المواضيع لأني وجدت حيفًا وضيمًا على كثير من رواياتنا، ولا تُذكر، إما لعدم فهمها أو لأنهم يرون أن هناك منقصة للشيعة بطرحها، وهذا هو الخطأ بعينه، لأنه عليكم بفهم الرواية والتمسك بها والاعتقاد بها، وهذا هو الذي حدد منهجيتي بأننا نحاول أن نحيي القضايا التي تُشعر البعض من مدعي التشيع أنها قد تكون مُضعِّفة للموقف الشيعي وهي أبداً ليست كذلك، إنما هي تقوي الموقف الشيعي وتجعل الموقف الشيعي عزيزاً، وبالذات الروايات الموجودة في الكافي.
قبول الرواية والعلة منها وقوة الدليل
الفيصل هو الدليل وقوة الطرح، وعندي من الأدلة ما يقوي موقفي وإلا أنا لست بمجنون عندما أؤكد قضية إرضاع أبو طالب أو قضية مص الإمام علي، حيث عندي أدلة كما ذكرت، وهذه تعتمد على قوة الباحث وفهمه، فلماذا أقبلها هنا في قضية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي عليه السلام ولا أقبلها في قضية أبو طالب؟
ابن حنبل يذكر الرواية ويشنع على الشيعة بنفس الوقت
هذا مسند أحمد بن حنبل ذكر الحديث، كيف يمكن للناصبي أن يشنع على روايات الشيعة وعنده نفس العبارة، وقد ذكرنا الحديث، فلماذا يا ناصبي تشنّع على قضية رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام وهي ليست فقط إعجازية بل إنها موافقة للمنطق والشرع؟
هل الرواية صحيحة عند النواصب أم ضعيفة؟
قد يقول قائل: هل الرواية الناصبية المذكورة صحيحة؟ الجواب: نعم صحيحة، وهذه رواية أخرى:
عن معاوية قال: «رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يمص لسانه أو قال شفته ويعني الحسن بن علي وأنه لن يعذب لسان أو شفتان مصهما رسول الله صلى الله عليه وسلم».
(مجمع الزوائد للهيثمي، ج٩، ص٧٧)
عن عبد الرحمن بن أبي عوف، قال: قال عمرو بن العاص وأبو الأعور السلمي لمعاوية: «إن الحسن بن علي رضي الله عنهما رجل عيي». فقال معاوية رضي الله عنه: «لا تقولا ذلك، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد تفل في فيه، ومن تفل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فيه فليس بعيي».
(المعجم الكبير للطبراني، حديث: ٢٦٣٤)
فائدة في المقام
ليس كل رواية في كتب النواصب يجب أن ترفض، هناك روايات ناصبية تكون مطابقة لأحاديث أهل البيت عليهم السلام، نحن كما تعلمون لا نأخذ إلا عن طريق أهل البيت عليهم السلام، ولكن إن جاءت رواية من غير أهل البيت عليهم السلام وهناك ما يُعضّدها من روايات أهل البيت عليهم السلام، فما هو المانع من أن نأخذ بها؟
رواية أخرى عن أبي هريرة: «رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يمصُّ لعابَ الحسنِ والحسينِ كما يمصُّ الرجلُ التمرةَ».
(تاريخ دمشق، ١٣/٢٢٣)
إذن ما هي المشكلة؟ وكم مصدر ذكرنا، بأن الحسن عليه السلام مص لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وأنه لن يُعذَّب ذلك الفم، فما هو المانع أقبلها هنا رواية صحيحة وما أقبلها عند أبي الحسن عليه السلام؟ إذا تراها منقصة فالمنقصة واحدة، وأنا أرى العز والكرامة في إظهارها وكسر الخوف والحاجز عند الشيعي الذي يريد أن يتحدث عن هذه الروايات.
النبي يتولى تغذية علياً في أول يوم ولادته
يقول في الخصائص العشرة للزمخشري: «إن النبي صلى الله عليه وآله تولى تسميته بعلي وتغذيته أياماً من ريقه المبارك بمص لسانه، وعن فاطمة بنت أسد أم علي رضي الله تعالى عنها قالت: لما ولدته سماه علياً وبصق في فيه ثم إنه ألقمه لسانه فما زال يمصه حتى نام، قالت فلما كان من الغد طلبنا له مرضعة».
(السيرة الحلبية، ج١، ص٤٣٢)
أول ما وُلد علي عليه السلام سماه وتولى غذاءه رسول الله صلى الله عليه وآله، ما الفرق بين هذه الروايات الناصبية وبين رواية بحار الأنوار؟ لا أجد في هذه الرواية إلا تطابقاً قلباً وقالباً للشيعة، وأنا أفخر بأن إمامي علي ابن أبي طالب عليه السلام أول تغذية له هي من ريق رسول الله صلى الله عليه وآله.

أبريل 20, 2026