حين تُقرأ السياسة بعين الرواية
حين يُسارع المنتسبون إلى ولاية الفقيه إلى رفع شعارات النصر والتمكين عقب الأخبار الأخيرة بعقد صفقة واتفاق مع الأمريكيين، فإن الناظر بعين الرواية لا بعين السياسة يُدرك أن هذا المشهد بعينه قد رُسمت خطوطه منذ قرون في نصوص أهل البيت (عليهم السلام) والأمر لا يحتاج إلى كثيراً من التأمل لمن قرأ ما جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام) حين وصف الأحداث التي تسبق الظهور بأنها ستكون فتناً متراكمة مشتبهة، يظن فيها الناس أنهم على هدى وهم على ضلال، فما نشهده اليوم من ابتهاج بالاتفاق الأمريكي الإيراني ليس انتصاراً للإسلام ولا لأهل البيت، بل الخطر الحقيقي لهذا الاتفاق لا يكمن أصلاً في ما يُقال عن إضعاف إيران أو تقوية موقفها، الخطر الحقيقي هو ما يستتبع هذا الاتفاق من انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، وما يعنيه هذا الانسحاب في ضوء الرواية: إزالة العائق الأخير أمام تصادم تيارين ضخمين أنذرت بهما الروايات منذ قرون.
الوجود الأمريكي: عائق لا يُدرَك إلا بغيابه
قد يبدو غريباً في الظاهر القول إن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة كان يؤدي وظيفة لم تنتبه إليها لا طهران ولا واشنطن، وهي أنه كان يُشكّل سقفاً يمنع الصراع الإقليمي من الوصول إلى ذروته المكتوبة.
فحين تنتشر القوات الأمريكية في العراق والشام فإنها تفرض توازناً قسرياً يحول دون تمدد أي قوة بصورة حاسمة، لا التيار الشيعي الأصولي ولا التيار السلفي، أما حين تُسحب هذه القوات بموجب الاتفاق، فإن هذا السقف يُرفع، والمنطقة تُفتح على احتمالاتها الكاملة التي طالما أرّختها الرواية.
وقد تواترت في كتب الغيبة روايات تصف مسير السفياني نحو العراق والكوفة وما يجري على يده من قتل لأهلها، مما يجعل الفراغ الاستراتيجي الناجم عن الانسحاب الأمريكي شرطاً مباشراً لتحقق هذا المشهد، وهذا السيناريو لا يتحقق في وجود قوة رادعة خارجية في المنطقة، بل يتحقق بالضبط في لحظة الانكشاف الاستراتيجي التي يصنعها انسحاب القوات الأمريكية؛ فليس الاتفاق مؤشراً على قوة إيران وحدها، بل هو الشرط الجيوسياسي الذي تنتظره حركة السفياني كي تمشي دون عائق.
التياران المتصادمان: الخرساني في مواجهة السفياني
الصورة التي ترسمها الروايات لما يسبق الظهور ليست صورة انتصار شيعي على سلفي، ولا صورة إسلام موحد في مواجهة الكفر، بل هي صورة تصادم تيارين كلاهما ينتسب إلى الإسلام وكلاهما يحمل سلاحاً.
التيار الأول: هو التيار الشيعي الأصولي الخرساني، الممثَّل اليوم في المنظومة الإيرانية وفصائلها الممتدة في العراق ولبنان واليمن، وهذا التيار — كما بيّنا — يقع في خانة البترية أو الزيدية منهجاً، وهو الذي أخبر عنه الإمام الصادق (عليه السلام) بأنه “لو صف واحداً ما بين المشرق إلى المغرب ما أعزّ الله بهم ديناً.” وهذا التيار حين يُقاتل السفياني لا يكون قتاله عن إذن الإمام ولا عن علمه، بل يكون جهاداً بالمنهج الزيدي ذاته الذي رفضه الأئمة (عليهم السلام).
التيار الثاني: هو التيار السلفي الوهابي، صاحب الحاضنة التاريخية للمنهج السفياني، وما تصفه الروايات من سلوك جيش السفياني — التكفير واستباحة الدماء والتوجه نحو العراق والشام تحديداً — ينطبق على هذا التيار الذي لم يُحارَب حقيقةً بمشروع إلهي أصيل، وأما ما يُعرف بـ”نظام الشرع” في سوريا اليوم فليس هو السفياني ولا هو منهجه الأصيل، بل هو شكل هجين خائن للسلفية التي خرج من رحمها، يسلك في الحكم طريق العلمانية العملية في تحالفاته ومصالحه، وهو من صور الفوضى الممهِّدة للسفياني الحقيقي الخارج من عمق المنهج لا من قشوره، فحين تُسحب القوات الأمريكية وينفتح الفراغ، فإن هذين التيارين سيتصادمان وجهاً لوجه في العراق والشام، وهو التصادم الذي ترسمه الروايات بدقة مذهلة: خرساني في مواجهة سفياني، وكلاهما يدّعي الإسلام وكلاهما يحمل الراية.
إيران الأصولية في ميزان الرواية: ثوب شيعي ومنهج زيدي بتري.
لكي تكتمل الصورة لا بد من فهم الطرف الخرساني في هذا التصادم فهماً روائياً دقيقاً. فالنظام الإيراني وفصائله يرثون منهج البترية أو الزيدية جوهراً ومسلكاً لا كمذهب فقهي، فقد جاء في رواية عبد الملك بن عمرو عن أبي عبدالله (عليه السلام) أن الزيدية كانوا يقولون:«ليس بيننا وبين جعفر خلاف إلا أنه لا يرى الجهاد، فردّ عليهم الإمام: أنا لا أراه؟! بلى والله إني لأراه ولكن أكره أن أدع علمي إلى جهلهم.» فالإمام لم ينفِ الجهاد من حيث المبدأ، بل كشف أن جهلهم هو المشكلة: إذ ظنّوا أن صمته عن الخروج رفضٌ للجهاد، وما علموا أن الجهاد الحق لا يكون إلا بإذن الإمام وخروجه هو، وهذا بالضبط ما يفعله المنهج الأصولي الإيراني حين يستبدل إذن الإمام المعصوم بإذن ولي الفقيه.
وقد رسمت الرواية حكماً إلهياً ثابتاً في حق هذا المنهج، إذ يُروى عن أبي عبدالله عليه السلام:« لو أن البترية صف واحد ما بين المشرق إلى المغرب ما أعزّ الله بهم ديناً.» فمهما امتدت رقعة هذا التيار وكثر عدده وطال أمد جهاده، فإن الله لن يُعزّ بهم دينه، وفي هذه الكلمة الجامعة يكمن الجواب على سؤال جوهري: حين يتصادم الخرساني مع السفياني في قرقيسياء، فهذا التصادم ليس تصادم الحق مع الباطل، بل هو تصادم منهجين كلاهما يجاهد بغير إذن الإمام، وكلاهما لن يُعزّ الله بجهاده ديناً.
وهذا المنهج بعينه هو ما يُجسّد وصف دولة بني العباس في الروايات: دولة تتزيّا بزيّ أهل البيت وتتكلم بلسانهم وترفع شعاراتهم وتحكم باسمهم، ثم تسلك في الحقيقة طريق الدنيا لا طريق الإمام، لتكون في نهاية المطاف ممهِّدة للسفياني لا مانعة لطريقه.
المآل النهائي للمنهج الزيدي: الرواية تحكم
رواية الخصيبي في الهداية الكبرى تضع النقطة الأثقل في هذا كله حين تصف ما يجري حين يلتقي الحسني بالمهدي (عليه السلام) فبعد أن يرى الحسني الآية الباهرة بعينيه — غرس الهراوة في الصخرة وإنباتها حتى تُظلّل العسكرين — يُبادر إلى البيعة ويتبعه عسكره كله، لكن الأربعة آلاف من الزيدية أصحاب المصاحف والمسوح الشعر يقفون ويقولون:«ما هذا إلا سحر عظيم.» فيدعوهم المهدي (عليه السلام) ثلاثة أيام فلم يزدادوا إلا طغياناً وكفراً، فيأمر بقتلهم، وتُذبح تلك الأربعة آلاف على مصاحفهم، ثم حين يُقبل بعض أصحاب المهدي لأخذ تلك المصاحف يقول لهم:«دعوها تكون عليهم حسرة كما بدّلوها وغيّروها ولم يعملوا بما فيها.»
هذا المشهد يكشف أن التيار الشيعي الزيدي لن ينتهي منتصراً على السفياني، بل سينتهي في مواجهة الإمام نفسه حين يظهر. فالزيدية لم يرفضوا المهدي جهلاً بشخصه، بل رفضوه لأن قبوله يعني التسليم الكامل والتخلي عن منهجهم البتري المستقل، وهو ثمن باهظ لمن بنى هويته على الاجتهاد بالرأي والجهاد بغير إذن الإمام عقوداً طويلة. فلم تنفعهم المصاحف على أعناقهم ولا المسوح على ظهورهم ولا عقود الجهاد والشعارات، لأن عصيان الإمام والجهاد بغير إذن الإمام لا يُبنى عليه ولا يُعزّ به دين.
الرايات السود واليماني: الطريق الثالث خارج التيارين
في مقابل هذين التيارين المتصادمين — الزيدي الخرساني والسلفي السفياني — تُشير الروايات إلى حركتين من طبيعة مختلفة كلياً. رايات سود من اقصى المشرق و رايات بيضاء صفراء من اقصى المغرب، وهذه الرايات تمثل جماعات إيمانية تخرج عن حسابات الدول وتوازناتها كلياً.
وفي ظل هذه الصراعات، الكل يشهد اليوم الصحوة الأخبارية المتمثلة بالرايات البيضاء الصفراء في أوساط بعيدة عن المؤسسة الدينية الرسمية، تدعوا ليلاً ونهاراً إلى صاحب الأمر عجل الله فرجه وليس إلى يماني أو فقيه مجتهد، متمثلة بدعوة سلمية بالقلم وترى الجهاد حقاً خالصاً للإمام وحده.
وهؤلاء أقرب مسلكاً إلى ما وصفته الروايات من صفات أصحاب اليماني، الذين يُروى في شأنهم أن رايته راية هدى لا يحل لمسلم ردّها. وهذان — الرايات السود و الرايات البيض الصفر— هما الطريق الثالث الخارج عن منطق التيارين المتصادمين، والأقرب إلى الخط المستقيم الذي يمهّد للظهور لا للفتنة.
اقرأ الاتفاق بعين الرواية
الاتفاق الأمريكي الإيراني في جوهره الخطير ليس معادلة اقتصادية أو نووية، بل هو ترتيب جيوسياسي يقضي بخروج القوى الأمريكية من المنطقة. وهذا الخروج هو الذي يفتح الساحة كاملةً لتصادم التيار الشيعي الزيدي بقيادة الخرساني مع التيار السلفي بقيادة السفياني — وهو التصادم الذي أنذرت به الروايات وحدّدت مساره وأطرافه ومآلاته بدقة لا تُخطئ. ويُروى عن الإمام الصادق عليه السلام في وصف تلك المرحلة: “لا بد من فتنة صماء صيلم يسقط فيها كل بطانة ووليجة” — أي أن كل من التصق بغير الإمام سقط في تلك الفتنة مهما كان شعاره ومهما طال جهاده.
فمن كان يقرأ هذا الاتفاق بعين السياسة رآه مجرد تسوية دبلوماسية. أما من يقرأه بعين الرواية فيرى ما وراءه: إنه الشرط الأخير لانطلاق المشهد الذي وصفته الروايات تفصيلاً. والمشهد لا ينتهي بانتصار خرساني على سفياني، ولا بانتصار سفياني على خرساني، بل ينتهي بظهور القائم عليه السلام الذي يحكم في الفريقين معاً بما يستحقان.

الاتفاق الأمريكي الإيراني: ليس انتصاراً لإيران، بل الأرضية الخصبة لولادة السفياني
حرره أبو علي الأخباري
أبريل 9, 2026
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ، موضوع دقيق جدا و مشوق ، بوركت جهودكم ، و اقترح ان يتم تغيير لون الخلفية او جعلها افتح قليلا ليتباين النص و يتضح اكثر