المقدمة
إخوتي الكرام، تردد كثيرًا أن الشيعة يبغضون عمر لأنه فتح بلاد فارس وأذل أعزّاءهم، إلى آخر هذا الكلام الذي لا يغني ولا يسمن من جوع، وهو كلام باطل وكذب وبهتان بحق شيعة أهل البيت، فإن الشيعة لا يبغضون عمر لأنه فتح بلاد فارس، ولا علاقة للشيعة بفارس لا من قريب ولا من بعيد، سواء فُتحت أم لم تُفتح، إنما هذه الفرية وُضعت ضد الشيعة ليبرروا للناس سبب بغض الشيعة لعمر، وإلا فلا علاقة لذلك، المسألة مسألة عقدية متعلقة بشتم النبي وسرقة الخلافة إلى آخر ذلك الكلام.
فبهذا اللحاظ أحببت أن أبين هذه الكذبة والفرية على الشيعة، وهي أن عمر فتح بلاد فارس، وهي أيضًا كذبة، وسأبين ذلك.
فتح فارس
إخوتي الكرام، تردد كثيرًا على لسان النبي أن فارس سوف تُفتح، فقد قال: «فوالذي نفس محمد بيده ليفتحن عليكم فارس والروم حتى يكثر الطعام…».
(السنن الكبرى، ج٧، ص٢٨٣)
وعنه (صلى الله عليه وآله): «والذي نفسي بيده ليفتحن عليكم فارس والروم، ولتصبن عليكم الدنيا صبًا».
(كنز العمال، ج٣، ص٢١٩)
فالنبي أكد أن بلاد فارس سوف تُفتح، وهذا أمر متفق عليه عند الجميع، بأن فارس قد فُتحت، وإنما المختلف فيه: من الذي فتح بلاد فارس؟ ولماذا أُلصقت هذه الفرية؟ أرادوا أن يشغلوا الناس بأن الشيعة يبغضون عمر لقضية تافهة، وليس الأمر كذلك، لأن الشيعة لو كانوا يبغضون عمر لأنه فتح بلاد فارس، لأصبحوا بلا مبدأ، وهذا ظلم وبهتان عظيم بحق التشيع، ولم أسمع يومًا، ولا يمكن بحال من الأحوال أن الشيعة يبغضون عمر لفتح بلاد فارس، وفوق ذلك، هذه الفرية نفسها، أي أن عمر فتح بلاد فارس، غير صحيحة، فإن الذي فتح بلاد فارس هو علي (عليه السلام) كما سأبين.
ارتعاب عمر بن الخطاب من الفرس
عندما وصل خبر تهيئة الجيش الفارسي بمائة وخمسين ألف مقاتل إلى عمر في زمن خلافته، تقول الرواية: «كان يُسمع أطيط أضراسه من الخوف!».
(الفتوحات، لابن أعثم الكوفي، ج١، ص٢٩١)
الأطيط هو الصوت الداخلي للجوف، وهذا يعني أنه كان يرتجف مرعوبًا.
قد يقول قائل: شيخنا، لم تنصف عمر، فهو لم يكن بهذا الخوف. أقول: سأبين كيف كان كذلك.
المنهج الصحيح في التحقيق أن تنظر إلى جوهرة الرواية، لا إلى قشورها، جوهرة الرواية هنا: أن عمر كان يخاف، فنبحث في روايات أخرى: هل يوجد ما يؤيد ذلك؟ إن لم نجد، فالرواية غير سليمة، وإن وجدنا، فلا مانع من الأخذ بها، خاصة إذا اجتمعت الروايات على جوهرة واحدة، وهي خوف عمر.
هروب عمر في خيبر
«لما نزل رسول الله بحصن أهل خيبر، أعطى اللواء لعمر بن الخطاب، ونهض معه من نهض من الناس، فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر وأصحابه، فرجعوا إلى رسول الله، يجبّنه أصحابه وهو يجبّنهم».
(تاريخ الطبري، ج٢، ص٣٠٠)
«بعث النبي… فلما سار إلى خيبر، بعث عمر ومعه الناس إلى مدينتهم أو قصرهم، فقاتلوهم، فلم يلبثوا أن انهزموا، فجاءوا يجبّنون ويجبّنهم».
(مستدرك الحاكم النيسابوري، ج٣، ص٣٧)
هروب عمر يوم أحد
أخرج ابن جرير، عن كليب، قال: خطب عمر يوم الجمعة فقرأ آل عمران، وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها، فلما انتهى إلى قوله: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان﴾ قال: «لما كان يوم أحد هزمناهم ففررت حتى صعدت الجبل فلقد رأيتني أنزو كأنني أروى، أي عنزة جبلية…».
(الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ج٢، ص٣٥٥)
فهو يعترف بذلك، ولعمري إن وصفه بالعنزة الجبلية كان دقيقًا، لأن العنزة الجبلية ماهرة في القفز حتى تظفر بالجبال، وهناك روايات كثيرة تذكر خوف عمر وهزيمته.
حيرة عمر واستشارة الصحابة
فلما ورد الكتاب، قدوم الفرس لغزو مناطق العرب، على عمر بن الخطاب وقرأه وفهم ما فيه، وقعت عليه الرعدة والنفضة حتى سمع المسلمون أطيط أضراسه، ثم قام عن موضعه حتى دخل المسجد وجعل ينادي: أين المهاجرون والأنصار؟ إلا فاجتمعوا رحمكم الله وأعينوني أعانكم الله، قال: فأقبل إليه الناس من كل جانب، حتى إذا علم أن الناس قد اجتمعوا وتكاملوا في المسجد، وثب إلى منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاستوى عليه قائمًا وإنه ليرعد من شدة غضبه على الفرس، فحمد الله عز وجل وأثنى عليه وصلى على نبيه محمد ثم قال: أيها الناس، هذا يوم غم وحزن، فاستمعوا ما ورد علي من العراق، فقالوا: وما ذاك؟ فقال: إن الفرس أمم مختلف أسماؤها وملوكها وأهواؤها، وقد نفخهم الشيطان نفخة فتحزبوا علينا وقتلوا من في أرضهم من رجالنا، وهذا كتاب عمار بن ياسر من الكوفة يخبرني بأنهم قد اجتمعوا بأرض نهاوند في خمسين ومائة ألف وقد سربوا عسكرهم إلى حلوان وخانقين وجلولاء، وليست لهم همة إلا المدائن والكوفة، وإن وصلوا إلى ذلك فإنها بلية على الإسلام وثلمة لا تسد أبدًا، وهذا يوم له ما بعده من الأيام، فالله الله يا معشر المسلمين، أشيروا علي رحمكم الله، فإني قد رأيت رأيًا غير أني أحب أن لا أقدم عليه إلا بمشورة منكم لأنكم شركائي في المحبوب والمكروه.
(تاريخ الطبري، ج٣، ص٢١٠)
مشورة الإمام علي (عليه السلام)
وفي نهج البلاغة استشار عمر بن الخطاب في الخروج لقتال الفرس بنفسه، والرواية طويلة وخلاصتها أن عمر كان يستشير الصحابة وكل منهم يتكلم لكن الطرح لم يكن سديدًا، إلا أن قال الإمام علي (عليه السلام): «إنك قد علمت أن الله تبارك وتعالى بعث نبيه محمدًا وليس معه ثانٍ ولا له في الأرض من ناصر ولا له من عدو مانع، فجعل الله له أعوانًا أعز به دينهم»، إلى أن قال: «إنك إن كتبت إلى أهل الشام أن يقبلوا إليك من شامهم لم تأمن أن يأتي هرقل في جميع النصرانية فيغير على بلادهم ويهدم مساجدهم ويقتل رجالهم ويأخذ أموالهم ويسبي نساءهم وذريتهم»، ثم قال علي: «إن سرت بنفسك من أهل مكة والمدينة إلى البصرة والكوفة ثم قصدت بهم عدوك»، إلى أن قال: «إن أحببت ذلك فاكتب إلى أهل البصرة أن يفترقوا على ثلاث فرق: فرقة تقيم في ديارهم لحماية حريمهم، وفرقة تقيم في المساجد تعمرها بالأذان والصلاة وتأخذ الجزية، وفرقة تسير إلى إخوانهم من أهل الكوفة، ويصنع أهل الكوفة كما صنع أهل البصرة، ثم يجتمعون ويسيرون إلى عدوهم فإن الله ناصرهم عليهم، فثق بالله ولا تيأس من روح الله».
اعتماد عمر على قول الإمام علي (عليه السلام)
وقول الإمام علي (عليه السلام) لعمر: لا تيأس من روح الله، يدل على حالة الاضطراب والخوف، مما جعله يستشير عددًا كبيرًا من الصحابة حتى وصل إلى علي، فلما سمع عمر مقالة علي ومشورته أقبل على الناس وقال: «ويحكم عجزتم كلكم أن تقولوا كما قال أبو الحسن، والله لقد كان رأيه هو الرأي الذي رأيته في نفسي»، ثم قال لعلي: «أشر علي الآن برجل ترتضيه ويرتضيه المسلمون فأجعله أميرًا»، فقال علي: «قد أصبته»، قال عمر: «من هو؟»، قال: «النعمان بن مقرن المزني».
نتيجة المشورة وفتح فارس
إذن بهذا اللحاظ فإن علي بن أبي طالب بعد المشورة طرح رأيه، فرآه عمر أفضل الآراء واعتمد عليه حتى في اختيار القائد، وعليه فإن فتح بلاد فارس كان برأي علي وتخطيطه واختيار القائد كان منه، فلو حُذف رأي علي لوجدنا أن بقية الآراء لم تكن ذات قيمة حاسمة وأن القوم كانوا في حالة ارتباك، وعمر حائر لا يعرف ما يفعل، حتى إن اختيار القائد كان من علي.

أكذوبة فتح عمر لبلاد فارس كيف يفتح عمر فارسًا وهو عنزة جبلية في المعارك
حرره صحيفة صحراء النجف
مارس 26, 2026