قوله تعالى: ﴿وجعَلنا منهم أَئِمةً يهدُونَ بِأَمرنا لَما صبروا وكانُوا بِآياتنا يوقنونَ﴾ (سورة السجدة، ٢٤)
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ على محمد الأمين وعلى آله الهداة المهديين، واللعنة الدائمة على المسلمين بسنتهم وشيعتهم أجمعين الذين بدّلوا الدين وحرّفوا كتاب الله العزيز فلا أسعدهم الله في الأولين ولا في الآخرين.
إن من عدل الله تبارك وتعالى أنه جعل خلقه من النّاس مختارين لا مسيّرين، وممّا اختار خلقه منهم تبارك اسمه أنهم عدلوا عن الحق وانحرفوا عن الجادّة وذهبوا وذهبت بهم المذاهب، فصار الأمر في الناس أن يكون إمامان، إمام يهدي إلى صراط مستقيم، وإمام يضلّ إلى صراط السعير، وهذا مما قد قوّى سلطان دولة إبليس، فترى حكم أئمة الضلال منذُ نبي الله آدم (عليه السلام) إلى يومنا هذا، وكلّ إمام هدى يسعى في الإذاعة لِمَا يقوّي دولة الله تبارك وتعالى ستره وأسكته مارقٌ (خارجٌ) من الدين عليه لعائن الله، فَصَبر أئمة الهدى، قال تعالى: ﴿ولقدْ خَلقنا السماواتِ والأَرضَ وما بينَهُما في ستةِ أَيام وما مَسنا مِنْ لغوبٍ فَاصْبِرْ عَلى ما يقُولُونَ﴾ (سورة ق، ٣٨)
ويُسْتَقبلُ تفسيره فيما يلي، وقد علم الله تبارك وتعالى في علمه أنهم يصبرون فجعلهم أئمة إلى الهدى، وهم هكذا صابرون حتى يقوم صاحب الإمامة، الإمام صاحب الأمر (عليه وآله صلوات الله وسلامه)، ويومئذٍ يُخاف حساباً…
فعن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: « إن الله عز وجل جعل الدين دولتين دولة آدم – وهي دولة الله – ودولة إبليس، فإذا أراد الله أن يعبد علانية كانت دولة آدم وإذا أراد الله أن يعبد في السر كانت دولة إبليس، والمذيع لما أراد الله ستره مارق من الدين» (الكافي الشريف، ج٢ ، ص ٣٧٢)
وإقامةً للمنهج القويم والصراط المستقيم الذي يُهتدى به في آخر الزمان، منهج محمد وآل محمد في التّدبّر في رواياتهم (عليهم السلام)
﴿وجعلنا مِنهم أَئِمة يَهدونَ بِأَمرنا لَما صبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنونَ﴾ علي بن إبراهيم، قال:«كان في علم اللّه أنهم يصبرون على ما يصيبهم، فجعلهم أئمة.» (تفسير القمي، ج٢، ص١٧٠)
عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام)، قال: «الأئمة في كتاب الله إمامان: إمام عدل، وإمام جور، قال الله: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا﴾ لا بأمر الناس، يقدمون أمر الله قبل أمرهم، وحكم الله قبل حكمهم، قال:﴿ وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار﴾ يقدمون أمرهم قبل أمر الله، وحكمهم قبل حكم الله، ويأخذون بأهوائهم خلافًا لما في كتاب الله». (تفسير القمي، ج٢، ص١٧١)
عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي (صلوات الله عليهم)، قال: «نزلت هذه الآية في ولد فاطمة (عليها السلام) خاصة: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ (شواهد التنزيل ج١،ص ٤٥٤)
حفص بن غياث قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا حفص إن من صبر صبر قليلًا، وإن من جزع جزع قليلًا، ثم قال: عليك بالصبر في جميع أمورك فإن الله عز وجل بعث محمداً (صلى الله عليه وآله) فأمره بالصبر والرفق، إلى قوله فصبر (صلى الله عليه وآله) حتى نالوه العظائم فضاق صدره فأنزل الله عز وجل: ﴿ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين﴾ ثم كذبوه ورموه فحزن لذلك فأنزل الله عز وجل: ﴿قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتٰهم نصرنا﴾ فألزم النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه الصبر فتعدوا وذكروا الله تبارك وتعالى وكذبوه فقال: قد صبرت في نفسي وأهلي وعرضي ولا صبر لي على ذكر إلهي فأنزل الله عز وجل: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون﴾ فصبر النبي (صلى الله عليه وآله) في جميع أحواله ثم بشر في عترته بالأئمة ووصفوا بالصبر فقال جل ثناؤه: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ فعند ذلك قال (صلى الله عليه وآله) الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد…»
(تفسير نور الثقلين، ج٤، ص ٢٣٢)
في كتاب المناقب لابن شهر آشوب أن النبي (صلى الله عليه وآله) دعا لعلي وفاطمة (عليهما السلام) فقال: « اللهم اجمع شملهما وألف بين قلوبهما واجعلهما وذريتهما من ورثة جنة النعيم، وارزقهما ذرية طاهرة طيبة مباركة، واجعل في ذريتهما البركة، واجعلهم أئمة يهدون بأمرك إلى طاعتك ويأمرون بما يرضيك.» (تفسير نور الثقلين، ج٤، ص ٢٣٣)

مارس 22, 2026