مقدمة
هذا موضوعٌ مهمٌّ ومطالبه عميقة، لأنّه يؤكّد الفرق بين عالم الحقيقة وعالم ما وراء الحقيقة، ويبيّن كيف ينبغي التعامل مع الحديث؛ المُسلَّم عند الناصبة وكثير ممّن ينتسب إلى التشيّع أن أبا بكر وعمر مضجوعان بجوار رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذه دعوى شائعة، ولكنها ـ بحسب هذه الرواية ـ كذبة لم يشهد التاريخ بمثلها، وأن أبا بكر وعمر ليسا هما من بجوار النبي (صلى الله عليه وآله) في عالم الحقيقة.
الحديث
يقول: روى شيخ الطائفة في كتاب كشف الحق بسنده المرفوع عن أبي بصير قال: حججت مع أبي عبد الله عليه السلام، حتى إذا زرنا قبر جدّه صلى الله عليه وآله بالمدينة، وزرنا معه، فقال له رجل من بني يقظان: يا ابن رسول الله، إنهم يزعمون أنهم يزورون أبا بكر وعمر في هذه القبة، فقال عليه السلام:«مه يا أخا يقظان، إنهم كذبوا! فوالله لو نُبش قبرهما لوجد في مكانهما سلمان وأبو ذر، فوالله إنهما أحقّ بهذا الموضع من غيرهما.»
(نفس الرحمن في فضائل سلمان، ص ٦٣٦)
أيها الإخوة الكرام، بناءً على هذه الرواية: كل من يروّج أن أبا بكر وعمر بجوار رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ من ناصبي أو ممن يدّعي التشيّع ـ إنما يردّد دعوى لا تنسجم مع مضمون هذا الحديث، إذ تشير الرواية إلى أن المدفونين في الحقيقة بجوار النبي هما سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري عليهما الرحمة. لكن هنا يبرز إشكال مهم يفيدك في معرفة كيفية التعامل مع الحديث.
الإشكال
توجد روايات تقول إن الإمام المهدي عليه السلام عندما يظهر سيُخرج أبا بكر وعمر من قبرهما، فكيف يُخرجان إذا كان المدفون بجوار النبي ـ بحسب هذه الرواية ـ سلمان وأبو ذر؟ هل هذا تعارض في الأدلة؟ مصطلح تعارض الأدلة هو مصطلح أصولي يتداوله الأصوليون، لكن وفق هذا الطرح لا يوجد تعارض حقيقي بين الروايات، بل المشكلة في طريقة فهم الحديث.
بيان الجمع بين الروايات
الرواية الأولى تتحدث عن عالم الحقيقة، أما الروايات التي تتحدث عن إخراج القبر فهي تتحدث عن عالم المادة؛ في عالم المادة الناس يرون أن أبا بكر وعمر دُفنا بجوار رسول الله صلى الله عليه وآله. أما في عالم الحقيقة: فإن الأمر مختلف، إذ تشير الرواية إلى أن الله عز وجل قد يجعل موضع الصالحين أولى بالصالحين، وتذكر الرواية تتمةً على لسان الإمام عليه السلام حين سأل أبو بصير: كيف يكون انتقال الميت ووضع آخر مكانه؟ فقال عليه السلام:«إن الله عز وجل خلق سبعين ألف ملك يقال لهم النقالة، ينتشرون في مشارق الأرض ومغاربها، فيأخذون أموات العباد ويدفنون كلًّا منهم في الموضع الذي يستحقه، فيسلبون جسد الميت عن نعشه ويضعون آخر مكانه من حيث لا يشعرون، وما ذلك ببعيد، وما الله بظلام للعبيد.»
معنى عالم الحقيقة
نحن نعيش في عالم المادة، أي العالم الذي ندركه بالحواس، لكن هناك عالمًا آخر وراء المادة، لا نراه بسبب الحجاب الذي جُعل على إدراكنا. ولهذا قال الله تعالى: ﴿فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد﴾.(ق الآية ٢٢) أي إذا رُفع هذا الغطاء انكشفت الحقائق كما هي، ورأى الإنسان ما وراء المادة.
النتيجة
وفق هذا البيان: في عالم المادة: الناس دفنوا أبا بكر وعمر في هذا الموضع، أما في عالم الحقيقة: فليس بالضرورة أن يكونا بجوار النبي (صلى الله عليه وآله) وعندما يظهر الإمام المهدي (عليه السلام) فإنه يعالج ما وقع في عالم المادة، فيُظهر الحقائق ويكشف ما جرى، ويقيم الحجة على الناس، وبذلك لا يبقى مجال لأن يظن أحد أن مجرّد الدفن الظاهري بجوار رسول الله (صلى الله عليه وآله) دليل كرامة أو قرب، لأن العدل الإلهي لا يقرّ الظلم.

مارس 8, 2026