تمهيد
لقد دفع شيعة أمير المؤمنين أثماناً باهظة، بسبب عشقهم لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، وما عشقنا علياً إلا لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرنا بعشقه، وجعل عشق علي بن أبي طالب مكمّلاً للإيمان، ومخرجاً من النفاق إلى الإيمان، فحار النواصب: ماذا يفعلون بقبر علي بن أبي طالب؟
وستُتلى روايات يشيب لها الشعر لما يُقال فيها عن قبر أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومنها القول إنه في أفغانستان، ومنها في مزار شريف، سيُعرض في هذا البحث اختلاف الأقوال ومناقشتها حول موضع قبر أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبيان حالة الحيرة والدسّ في هذه القضية.
رواية مزار شريف
نشر موقع قناة الجزيرة أن مدينة مزار شريف لها أهمية خاصة لدى الشيعة في العالم عموماً، ولدى شيعة أفغانستان على وجه الخصوص، فبعض الشيعة، الذين تبلغ نسبتهم ما بين (10% – 15%) تقريباً من عدد السكان، يعتقدون أن جثمان علي بن أبي طالب (عليه السلام) مدفون في مزار شريف بعد مقتله، عقب الحرب التي دارت بينه وبين معاوية بن أبي سفيان، خوفاً من التمثيل بجثمانه.
ويقولون إن الجثمان وُضع على ناقةٍ بيضاء من مدينة الكوفة العراقية ـ التي شهدت مقتله ـ وسارت به حتى حطّت رحالها في تلك البقعة التي أُطلق عليها اسم مزار شريف.
كما يذكرون أن مرقد الإمام علي، طبقاً للروايات التاريخية الشيعية، قد تحقق السلطان السلجوقي سانجار بنفسه من وجود جثمان الإمام علي في مزار شريف، فأمر ببناء ضريح فوقه تكريماً له، وبناءً على هذه الرواية، يكون ضريح الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في مزار شريف في أفغانستان.
رواية موقع الإسلام سؤال وجواب (محمد صالح المنجد)
ورد في موقع الإسلام سؤال وجواب، بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد، السؤال رقم (162924):
معظم الناس يقولون إن قبر علي بن أبي طالب في أفغانستان، فهل هذا صحيح؟ وإن لم يكن كذلك فأين هو إذن؟
الجواب
الحمد لله، اختلف العلماء والمؤرخون في مكان قبر علي بن أبي طالب، وأشهر الأقوال:
1 ـ الدفن في قصر الإمارة بالكوفة
وهو قول محمد بن سعد، كما في تاريخ بغداد (ج1 ص136)، وقول ابن خلكان في وفيات الأعيان (ج4 ص55)، ونسبه ابن تيمية في مجموع الفتاوى (ج27 ص446).
2 ـ الدفن في الكوفة بمكان غير معلوم
وهو قول عبد الله العجلي، كما نقله الخطيب البغدادي.
3 ـ الدفن في الكوفة ثم النقل إلى المدينة
وهو قول الحافظ ابن نعيم، كما نقله الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (ج1 ص137).
4 ـ الجهل بحقيقة موضع القبر
وهو قول إبراهيم الحربي، كما نقله أبو يعلى في طبقات الحنابلة (ج1 ص92)، وهو أيضاً قول كمال الدين محمد بن موسى بن عيسى الدميري في كتاب الحيوان.
ويُرجّح عندهم أن أمير المؤمنين دُفن في قصر الإمارة بالكوفة، ولا يُعرف موضع قبره على الحقيقة، وقد عُمي مكانه لكي لا تنبشه الخوارج فيُعرّضونه للمهانة.
كلام ابن تيمية حول قبر أمير المؤمنين
قال ابن تيمية:
«ومثلُ من يظن من الجهال أن قبر علي بباطن النجف، وأهل العلم من الكوفة يعلمون بطلان هذا، ويعلمون أن علياً ومعاوية وعمرو بن العاص كل منهم دُفن في قصر الإمارة ببلده خوفاً عليه من أن يُنبش».
منهاج السنة النبوية (ج7 ص43).
وهنا يظهر مقدار النصب وعدم احترام أمير المؤمنين، فلا يذكره باسمه الكامل، ولا يقول: عليه السلام، ولا حتى: رضي الله عنه، وكأنما يتحدث عن رجل عادي، كما يسعى إلى مساواة أمير المؤمنين (عليه السلام) بمعاوية وعمرو بن العاص، في محاولة لطمس الفارق بين قمة الزهد والطهارة، وقمة الدناءة والانحراف، وحاشا أمير المؤمنين من ذلك، سلام الله عليه.
شبهة نسبة قبر النجف إلى المغيرة بن شعبة والرد عليها
ويقول بعض العلماء إن هذا القبر الذي أظهره الحاكم الرافضي هو قبر الصحابي الجليل المغيرة بن شعبة، وقال الذهبي، وقال مطين: «لو علمت الرافضة من هذا الذي يُزار في ظهر الكوفة لرجمته، هذا قبر المغيرة بن شعبة».
(تاريخ الإسلام للذهبي، ج3 ص651)
وهذا الذهبي لا يقل نصباً عن ابن تيمية، ولا يقل نصباً عن عائشة أو عمر أو أبي بكر في نصبهم لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
تعليق صاحب الموقع
يقول صاحب الموقع: «وإذا كان ذلك المشهد في النجف ليس قبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأولى أن يكون كذباً ادعاء أن قبره رضي الله عنه في أفغانستان في مزار شريف، وإنما يدّعي ذلك ويزعمه القبوريون الذين يسوّقون للشرك في الأمة، وكم لهم فيها من ادعاءات».
اضطراب الأقوال وتناقض الروايات
تعددت الأقوال حول قبر أمير المؤمنين (عليه السلام): قول إنه في أفغانستان، وقول إنه في الكوفة داخل قصر الإمارة، وقول إنه في الكوفة لكن لا يُعرف موضعه، وقول إن الحسن (عليه السلام) وضع جنازته على بعير ونقله إلى المدينة، وقول إن القبر هو قبر المغيرة بن شعبة, الغاية من هذه المحاولات المتكررة هي طمس معالم و آثار علي ابن أبي طالب (عليه السلام)؟ ولماذا يستمر التنقيص من مقامه حتى بعد استشهاده، سلام الله عليه؟ إن مبغضي علي بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليه) لم يشاؤوا له ذكراً ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، لا في حياته ولا بعد استشهاده.
وهل يُعقل أن تُنقل جميع هذه الأقوال، ولا يُذكر قول أهل البيت (عليهم السلام) الذين نتعبد بأقوالهم في معرفة قبر أمير المؤمنين (عليه السلام)ولقد استُعرضت أقوال النواصب في قبر علي (عليه السلام)، من ابن تيمية وصاحب الموقع وغيرهم. وابن تيمية كذّب أن يكون قبره في أفغانستان، وقوله مطابق تماماً لقوله في النجف، حذو النعل بالنعل، على أنه ليس قبر علي (صلوات الله عليه)، وفي ذلك دلالة واضحة على السعي المتعمد لإخفاء معالم أمير المؤمنين (عليه السلام).
الرد على هذه الأقوال
«وذلك أن علياً (عليه السلام) لما قُتل، قصد بنوه أن يُخفوا قبره من بني أمية، أن يُحدثوا في قبره حدثاً، فأوهموا الناس في موضع قبره في تلك الليلة، وهي ليلة دفنه… فعُمي على الناس موضع قبره، ولم يعلم دفنه على الحقيقة إلا بنوه والخواص المخلصون من أصحابه. فإنهم خرجوا به (عليه السلام) وقت السحر في ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان، فدفنوه بالنجف في الموضع المعروف بالغري، بوصية منه (عليه السلام) وعهد كان قد عهد به إليهم ويذكر أن موضع قبره عُمي على الناس، واختلفت الأراجيف في صبيحة ذلك اليوم اختلافاً شديداً، واختُلقت الأقوال في موضع قبره الشريف وتشعبت»
ويذكر أن قوماً من جماعة طيّ وقعوا على جبل في تلك الليلة، وقد أضلّ أصحابه بعيرهم، وعليه صندوق، فظنوا فيه مالاً، فلما رأوا ما فيه خافوا أن يُطلبوا به، فدفنوا الصندوق بما فيه ونحروا البعير، وشاع ذلك في بني أمية وشيعتهم فاعتقدوه حقاً، فقال الوليد بن عقبة أبياتاً يذكره فيها (فإن يك قد ضل البعير بحمله * فما كان مهديا ولا كان هاديا)(شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج٤، ص ٨١)
رواية الحسن بن علي (عليه السلام) مع الوليد بن عقبة
وروى الشيخ أبو القاسم البلخي، عن جرير بن عبد الحميد، قال: مرّ ناس بالحسن بن علي (عليه السلام) وهم يريدون عيادة الوليد بن عقبة، وهو في علة شديدة، فأتاه الحسن (عليه السلام) معهم عائداً، فقال للحسن: «أتوب إلى الله مما كان بيني وبين جميع الناس، إلا ما كان بيني وبين أبيك، فإني لا أتوب منه» وقال أبو القاسم البلخي: وأكّد بغضه له ضربه إياه الحد في ولاية عثمان.(شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج٤، ص ٨٣)
البيان والنتيجة
إذا كان إخفاء قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) خوفاً من بني أمية، فهذا يعني خوفاً من معاوية وجماعته، لا من الخوارج، فلماذا يصرّ النواصب على تشتيت موضع دفنه شرقاً وغرباً؟ وإن كان في قصر الإمارة، فأين موضعه من القصر؟ ولماذا تُرمى التهمة دائماً على الخوارج لتبرير أفعال بني أمية، وفي الوقت نفسه تُساق أقوال لم يُنزل الله بها من سلطان؟
لقد نُقلت كل الأقوال، إلا هذا القول الواضح الصريح الوارد في شرح نهج البلاغة، وهو القول الذي ينسف دعاوى الطمس والتشكيك، ويكشف العلة الحقيقية في إخفاء قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليه).
وأبيات الوليد بن عقبة تدل دلالة واضحة على بغضه وحقده على أمير المؤمنين، وتُذكّرنا بنفس الخبر المنقول عن عائشة عندما سمعت بمقتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقيل إنها سجدت شكراً.
اتفاق الشيعة ونقل المحققين من علماء المسلمين
«أما الشيعة فمتفقون خلفاً عن سلف، نقلاً عن أئمتهم أولاد أمير المؤمنين (صلوات الله عليهم)، أنه لم يُدفن إلا في الغري في الموضع المعروف الآن، ووافقهم المحققون من علماء سائر المسلمين، والأخبار في ذلك متواترة. وقد كتب السيد عبد الكريم بن طاووس كتاباً في ذلك سماه (فرحة الغريب)، استقصى فيه الآثار والأخبار الواردة، وأتى بما لا مزيد عليه».
روايات أهل البيت (عليهم السلام) في موضع الدفن
وروى الشيخ المفيد في الإرشاد بسنده عن جابر بن يزيد قال:
«سألت أبا جعفر محمد الباقر (عليه السلام): أين دُفن أمير المؤمنين؟ فقال: بناحية الغريين، ودُفن قبل طلوع الفجر».
وبسنده عن أبي عمير، عن رجاله، قال:
«قيل للحسين (عليه السلام): أين دفنتم أمير المؤمنين؟ قال: خرجنا به ليلاً على مسجد الأشعث حتى خرجنا به إلى الظهر جنب الغريين، فدفناه هناك».
أقوال بعض المؤرخين وترجيح موضع الغري
وقال ابن الأثير:
«دُفن عند مسجد الجماعة، وقيل في القصر، والأصح أن قبره هو الموضع الذي يُتبرك به ويُزار وأقول: هذا مما لا شبهة فيه ولا ريب، لأن أولاده وذريته وشيعته كانوا يزورونه في هذا الموضع، وأعرف الناس بقبر الميت أهله وأتباعه، وعليه جميع الشيعة وأئمة أهل البيت وجميع المسلمين، إلا من شذ»
الرد على دعوى قبر المغيرة بن شعبة
وفي تذكرة الخواص حكى أبو نعيم الأصبهاني أن الذي في النجف هو قبر المغيرة بن شعبة، وقال: لو علم به زوّاره لرجمُوه.
وقيل: وهذا من أغلاط أبي نعيم، فإن المغيرة بن شعبة لم يُعرف له قبر، وقيل إنه مات بالشام.
وانظروا ماذا يقول صاحب الموقع، وكيف يكرر نفس كلام الذهبي، مدعياً أن القبر أُظهر في زمن البويهيين. ولو فُتحت مسألة التحقيق بعلم الرجال وسند الروايات، لانكشفت الكوارث والمآسي.
ذكروا ستة آلاف قول، ولم يذكروا قول أهل بيته، مع أن القضية مأخوذة من أهل بيته، وهم أصدق الناس به، وهم الذين تولوا دفنه. إنها كوارث في بغض أمير المؤمنين.
سقوط شبهة المغيرة بن شعبة عقلاً وتاريخاً
وعليكم أن تحققوا في المقام، وتنظروا أين مات المغيرة بن شعبة، وستجدون أنه مات في الشام ودُفن هناك. فعلى أي أساس يُؤتى بالمغيرة بن شعبة على بعير ثلاثة أسابيع من الشام إلى النجف؟ ولماذا؟ وما منزلته حتى يُنقل كل هذه المسافة؟
ملايين الأسئلة تُطرح هنا، وكلها تدحض هذه الشبهة من أصلها. ولذلك فالطريق الصافي والواضح هو الأخذ بأقوال أهل بيته وخواصه.
دلالة الإمام الصادق (عليه السلام) على القبر الشريف
قال الشيخ المفيد في الإرشاد:
«لم يزل قبره (عليه السلام) مخفياً، ولم يعرفه غير بنيه وخواص شيعته، حتى دلّ عليه الصادق (سلام الله عليه) وهو بالحيرة، فعرفه الشيعة واستأنفوا آنذاك زيارته».
ولهذا نقول: بوجود المعصوم، وهذا أمر قطعي لا شك فيه، وقول الإمام الصادق هو قول رسول الله صلى الله عليه وآله.
رواية صفوان الجمال في فرحة الغري
قال صفوان بن مهران الجمال، فيما رُوي عنه في فرحة الغري:
«لما وافيت مع جعفر الصادق (عليه السلام) الكوفة، يريد أبا جعفر المنصور، قال لي: يا صفوان، أنخِ الراحلة، فهذا قبر جدي أمير المؤمنين. فأنختها، ثم نزل فاغتسل وغيّر ثوبه وتحفّى، وقال لي: افعل مثلما أفعل. ثم أخذ نحو الذكوة وقال لي: قصّر خطاك طلباً لزيادة الخطى. ثم مشى ومشيت معه، وعلينا السكينة والوقار، نسبّح ونقدّس ونهلّل، حتى بلغنا الذكوة، فوقف ونظر يميناً ويساراً، وخطّ بعكازته، وقال لي: اطلب. فطلبت، فإذا أثر القبر، فأرسل دموعه، وقال: السلام عليك أيها الوصي… ثم قال: يا سيدي، أتأذن أن أُخبر أصحابنا من أهل الكوفة به؟ فقال: نعم. وأعطاني دراهم، وأصلحت القبر».
رواية الإمام الصادق (عليه السلام) عند أبي العباس السفاح
ورد في رواية عن الإمام الصادق (سلام الله عليه) أنه قال:
«لما كنتُ بالحيرة عند أبي العباس السفاح، كنتُ آتي قبر أمير المؤمنين ليلاً بناحية النجف الحيرة، إلى جانب غريّ النعمان، فأصلي عنده صلاة الليل، وأنصرف قبل الفجر».
رواية صفوان الجمال في تحديد موضع القبر
ورُوي عن صفوان الجمال قال:
«حملتُ جعفر بن محمد (عليه السلام)، فلما انتهيتُ إلى النجف قال: يا صفوان، تياسر حتى تجوز الحيرة فتأتي القائم. فبلغتُ الموضع الذي وصف، فنزل وتوضأ، ثم تقدم هو وعبد الله بن الحسن، فصلّيا عند قبر. فلما قضيا صلاتهما قلت: جعلت فداك، أيُّ موضعٍ هذا القبر؟ فقال: هذا قبر علي بن أبي طالب، وهو القبر الذي تأتيه الناس هناك».
رواية كامل الزيارات لابن قولويه
وروى ابن قولويه في كامل الزيارات بسنده عن صفوان الجمال قال:
«سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن موضع قبر أمير المؤمنين، فوصف لي موضعه حيث دكادك الميل، فأتيته فصلّيت عنده، ثم عدتُ إلى أبي عبد الله (عليه السلام) من قابل فأخبرته بذهابي وصلاتي عنده، فقال: أصبت. فمكثتُ عشرين سنة أُصلّي عنده».
مصدر جميع الأحاديث والأقوال (أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين، ج١ ص٥٣٠):
الخلاصة
النواصب وبسبب بغضهم لأمير المؤمنين حاولوا جاهداين التنقيص من مقامه وطمس آثاره، وتمثلّت هذه المحاولة في التشكيك بمكان قبره (صلوات الله عليه) لكن كل ما نقلوه وقالوه هو ضرب من الخيال، لأن أبناء الناس أعرف بقبور آبائهم من غيرهم من الأجانب، وكما بينوا أئمتنا في الأحاديث الشريفة أن القبر الذي بالنجف اليوم هو لأمير المؤمنين (صلوات الله تعالى عليه)
