بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمدٍ وآلِ محمد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أمّا بعد؛ فاعلموا ـ يا إخوتي، يا خاتمة الدعوات ، إنّ مسألة علم الغيب من الدقائق العقائدية التي دلّت عليها النصوص عنهم (عليهم السلام)، وقد أثبتت أنّ للغيب مراتب، وأنه ليس درجة واحدة، بل ينقسم إلى غيبٍ مطلقٍ مختصّ بالله تعالى، و غيبٍ معلَّمٍ يفيضه الله على من يشاء من عباده.
“الغيب المطلق المختصّ بالله تعالى “
وهو العلم الذي لا يطّلع عليه أحدٌ أبدًا:
لا ملكٌ مقرّب، ولا نبيّ مرسل، ولا وصيٌّ من الأوصياء، ولا الأئمة من آل محمد عليهم السلام. وهو العلم الذي عبّرت عنه الروايات بـــ “العلم المكنون المخزون”.
وقد ورد في بصائر الدرجات عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إنّ لله علمين: علمٌ مكنونٌ مخزونٌ لا يعلمه إلا هو، ومن ذلك يكون البداء،
وعلمٌ علّمه ملائكته ورسلَه وأنبياءه، ونحن نعلمه».(بصائر الدرجات – محمد بن الحسن الصفار – الصفحة ١٢٩)
فالعلم المكنون المخزون الذي اختصَّ بهِ اللهُ وحدَه، وهو العلم الذي لا يُكتسب ولا يُتعلّم، ولا يشاركه فيه أحد. وهو المشار إليه في بعض الروايات بــ “الحرف الثالث والسبعين” من العلم، الذي اختصّ الله به نفسه.
” -الغيب النسبي أو المعلَّم لمحمدٍ وآل محمد (عليهم السلام) ”
هذا العلم ليس ذاتيًّا ولا مطلقًا، بل تعليمي يفيضه الله على من اصطفى من ملائكته وأنبيائه وأوصيائه. وهو غيبٌ عن الخلق، لكنه معلوم لمحمدٍ وآلِ محمد بإذن الله تعالى .
وقد جاء في نفس الحديث الشريف:
«وعلمٌ علّمه ملائكته ورسلَه وأنبياءه، ونحن نعلمه».
وهذا العلم هو ممّا أعطاه الله لرسوله ولأهل بيته، وقد ورد في الروايات أن الاسم الاعظم ثلاثة وسبعون حرفًا.
• أُعطي الأنبياء والأوصياء اثنين وسبعين حرفًا.
• وحرفٌ واحدٌ اختصّ الله به نفسه، وهو كناية عن العلم الإلهي المطلق الذي لا يبلغه أحد.
وصاحبُ الأمر (روحي وأرواحُ العالمين له فداء) أُعطي شيئًا من الحرف الثالث والسبعين.
” بيان حقيقة علم آل محمد ونقض دعوى الغلاة والمفوّضة “
لم يقل أهل البيت عليهم السلام إنّهم يعلمون الغيب استقلالًا أو ذاتًا، بل نصّوا صراحةً على أنّ علمهم يبسطه الله لهم، وأنه متى قُبِضَ عنهم لم يعلموا.
وقد سُئل الإمام أبو جعفر الكاظم عليه السلام: «أتعلمون الغيب؟»
فقال:
«يُبسط لنا العلمُ فنعلم، ويُقبض عنّا فلا نعلم.
وسرّ الله عز وجل أسرّه إلى جبرئيل، وأسرّه جبرئيل إلى محمد صلى الله عليه وآله، وأسرّه محمد إلى من شاء الله»(الكافي – الشيخ الكليني – ج ١ – الصفحة ٢٥٦)
وهذا برهان صريح على أن من يزعم أن لهم علمًا مطلقًا غير محدود إنما يوقع نفسه في مقالة المفوّضة الذين غلوا ، وزعموا ما يخالف النصوص القطعية.
الخلاصة
علم الغيب المطلق هو علمٌ مخصوص بالله وحده، لا يطّلِع عليه أحد من الخلق.
الغيب المعلَّم هو ما يفيضه الله تعالى على ملائكته وأنبيائه وأوصيائه، وهو ما يطّلع عليه محمد وآل محمد عليهم السلام بإذن الله.
أهل البيت لا يعلمون الغيب استقلالًا، بل يعلمون ما يعلّمهم الله، ويُقبض عنهم إذا شاء.
الغيب يشمل كل ما خفي عن الخلق: الماضي، والحاضر، والمستقبل، وما في علم الله الأزلي، وليس المستقبل وحده .

احسنت بارك الله فيك شيخنا الفاضل