“ثمرات الصبر في حياة المؤمن”

سبتمبر 23, 2025

بِسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ الحمدُ للهِ الذي جعلَ الصَّبرَ مفتاحَ الفرجِ, ورفعَ به درجاتِ المؤمنينَ, وجعلَ الصابرينَ في مَعِيَّتِهِ, فقالَ سُبحانَهُ : {إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} والصَّلاةُ و السلامُ على سيِّدِ الصَّابرينَ مُحَمَّدٍ وآلِهِ الطيِّبين الطاهرين.

إنَّ الصَّبرَ خُلُقٌ عظيمٌ, ورَكيزةٌ أَساسيَّةٌ في حياةِ المؤمنِ, به يَثْبُتُ على الطّاعةِ, ويَتَجنَّبُ المعصيةَ, ويَتَحمَّلُ البلاءَ.
وليسَ الصبرُ مُجرَّدَ تَحَمُّلٍ للمصاعبِ بل هو قوَّةٌ روحيَّةٌ تعينُ الإنسانَ على مُواجَهَةِ التحديّاتِ بثباتٍ ورضا, وتفتحُ لهُ أبوابَ الأملِ و النجاةِ في الدُّنيا و الآخرة ِ.


أنواع الصَّبرِ في حياةِ المؤمنِ :


أولاً: الصبرُ على الطّاعةِ: وهو الثباتُ على أوامرِ اللهِ رغمَ المشقَّةِ على النفسِ والثِقَلِ, مثل الصبرِ على الصلاةِ, و الصّومِ في أيامِهِ ِ, والقيامِ بالواجباتِ الشرعيّةِ.


ثانياً : الصبر عن المعصية: وهو مقاومة الشهوات و الابتعاد عن ما حرَّمَ اللهُ, مع إنَّ النفسَ تميلُ إليهِ, وهذا من أشدِّ أنواعِ الصبرِ لأنه يجمعُ بينَ قوةِ الإيمانِ و صدقِ الإرادةِ.


ثالثا : الصبرُ على البلاءِ: وهو احتمالُ ما يَبتلي اللهُ به عبادَه من فِقدان أو مرضٍ أو ضيقٍ, مع التسليمِ لقضاءِ اللهِ و الرضا بحكمِهِ.

 وعن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن يحيى بن سليم الطائفي عن عمرو بن شمر اليماني، يرفع الحديث إلى علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الصبر ثلاثة: صبر عند المصيبة، وصبر عند الطاعة، وصبر عن المعصية فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش، ومن صبر عن المعصية كتب الله له تسعمائة درجة ما بين درجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش.

وسائل الشيعة (آل البيت) – الحر العاملي – ج ١٥ – الصفحة ٢٣٨


نماذجٌ من الصابرينَ :

لقد قَدَّمَ القرآنُ الكريمُ وما جاءَ في الأخبارِ نماذجَ مضيئةً في الصبرِ, فالنبيُّ أيّوبٌ(عليهِ السلامُ) مثالٌ للصبرِ على البلاءِ حتى أصبحَ رمزاً لكلِّ مبتلىً, والنبيُّ يوسفُ (عليهِ السلامُ) صبرَ على المُصيبة ِ فكان جزاؤهُ التمكينُ في الأرض ِ وصفهُ اللهُ تعالى في كتابهِ: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}.. والنبيُّ مُحَمَّدٌ (صلى الله عليه وآلهِ و سلَّمَ) وأهلُ بيتِهِ (عليهمُ السلامُ) صبروا على الأذى و الاضطهاد, فخلَّدَ التاريخُ مواقفَهم و جعلهم نوراً يهتدي به المؤمنون.

ما جاء في أحاديثِ أهلِ البيتِ عن الصبرِ :


عن أبي حمزة الثِّمالي قال: قال لي أبو جعفرٌ (عليهِ السلامُ): لما حضرتْ أبي الوفاةُ ضَمَّني إلى صدرِهٌ وقالَ يا بُنيَّ اصبرْ على الحقِّ وإن كان مُرّاً توفَّ أجرَك بغيرِ حِسابٍ.

وسائل الشيعة (آل البيت) – الحر العاملي – ج ١٥ – الصفحة ٢٣٨


عن الإمامِ الباقرِ (عليهِ السلامُ) لمّا سُئِلَ عن الصبرِ الجميلِ: ذلكَ صبرٌ ليسَ فيهِ شكوى إلى الناسِ.

ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٢ – الصفحة ١٥


عنهُ (عليهِ السلامُ): نحنُ صُبُرٌ وشِيعتُنا أصبرُ مِنّا, وذلكَ أنَّا صَبرنا على ما نعلمُ, وصبروا هم على ما لا يعلمون.

بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٢٤ – الصفحة ٢١٦

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا دخل المؤمن في قبره، كانت الصلاة عن يمينه والزكاة عن يساره والبر مظل عليه ويتنحى الصبر ناحية، فإذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته قال الصبر للصلاة والزكاة والبر: دونكم صاحبكم، فإن عجزتم عنه فأنا دونه.

الكافي – الشيخ الكليني – ج ٢ – الصفحة ٩٠


والأحاديثُ وفيرةٌ في هذا الموضوعِ, ان الصبرَ ليسَ مُجرَّدَ خُلُقٍ يُزيّنُ حياةَ المؤمنِ، بل هو سلاحُه في مواجهةِ الفتنِ والابتلاءاتِ، وزادُه في طريقِ الطّاعةِ والعبادةِ. فبهِ ترتقي النفوسُ وتصفو القلوبُ، وبه ينالُ العبدُ معيَّةَ اللهِ عزَّ وجلَّ ورضوانَه. وما أجملَ أن يختمَ المؤمنُ أعمالَه بيقينٍ إنَّ كلَّ لحظةِ صبرٍ هي استثمارٌ في دنياهُ وآخرتِه.

فلنجْعلِ الصبرَ شعارَنا في الطّاعةِ والابتعادِ عن المعصيةِ، ورفيقَنا عند الشدائدِ، حتى نكونَ من الذينَ قال اللهُ فيهم: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}

تعليق واحد على "“ثمرات الصبر في حياة المؤمن”"

اترك تعليقاً