مقدمة: وأما الخمس، فقد أبيح لشيعتنا
يعد حديث الإمام المهدي (عليه السلام): “وأما الخمس، فقد أبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حل إلى وقت ظهور أمرنا لتطيب ولادتهم، ولا تخبث” من النصوص المحورية في الفقه الشيعي، وقد أثارت جدلاً واسعًا حول طبيعة الخمس في عصر الغيبة. هذا الحديث، بعباراته الصريحة، هو محل نزاع كبير بين المدرستين الأصولية والأخبارية، حيث يتباين فهم كل منهما لإباحة الخمس ودلالاتها. هذه المقالة بصدد كشف الغطاء عن هذه المسألة الكبيرة، وتحليل أبعادها المختلفة، ولعل مفتاح فهم هذا الحديث ومبتغاه الحقيقي يكمن في جملته الأخيرة: “لتطيب ولادتهم، ولا تخبث“. في هذه العبارة تكمن حكمة عميقة ستكشف عن الأبعاد الحقيقية لإباحة الخمس، وتلقي الضوء على علاقة غير متوقعة بين الأحكام الشرعية والطهارة الوجودية.
تباين الرؤى حول الخمس في الفقه الشيعي
لطالما كان الخمس فريضة مالية أساسية في الإسلام، ولكن طبيعته في زمن غيبة الإمام المعصوم أثارت نقاشًا حادًا بين فقهاء الشيعة. انقسمت الآراء بين مدرستين رئيسيتين:
1. الرؤية الأصولية: تقييد الإباحة والحفاظ على الوجوب
يميل الأصوليون إلى التوفيق بين أحاديث الإباحة والأدلة العامة على وجوب الخمس، مؤكدين أن الخمس فريضة ثابتة لا تسقط إلا بدليل صريح لا لبس فيه. بناءً عليه، يفسرون أحاديث إباحة الخمس بأنها مقيدة بظروف معينة أو بأنواع محددة من الأموال. من أبرز تفسيراتهم:
- معارضة القرآن وسقوط الحديث: يرى بعض الأصوليين أن هذا الحديث يتعارض مع صريح القرآن الكريم الذي أوجب الخمس، كقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. وبناءً على قاعدة “ما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الحائط“، يرون أن متن هذا الحديث ساقط لديهم ولا يُعمل به لمعارضته لنص قرآني واضح.
- إباحة خمس المهور: يفسر بعض الأصوليين الإباحة على أنها تتعلق بخمس المهور بشكل خاص، أي أن المرأة لا يلزمها تخميس مهرها. يركز هذا التفسير على أهمية طهارة هذا المال لارتباطه المباشر بالنكاح وتأسيس الأسرة، ولكنه غريب وغير مقنع، فإذا كان أصل المال غير طاهر، فكيف يكون مال الصداق وهو الفرع مطيباً للولادة!
- رفع الحرج في زمن الغيبة: يعتبر آخرون أن الإباحة جاءت للتخفيف ورفع الحرج عن الشيعة في غيبة الإمام، حيث يصعب عليهم أداء الخمس بشكل مباشر. لذا، هي مسامحة عن التأخير أو عن الخلط غير المتعمد، وليست إسقاطًا كاملاً للواجب.
- الإباحة في المال المختلط أو مجهول المالك: يذهب البعض إلى أن الإباحة تتعلق بالمال الذي اختلط فيه الخمس وصعب تمييزه، أو المال الذي لا يمكن إيصال حقه إلى الإمام المعصوم.
بشكل عام، يسعى الأصوليون للحفاظ على وجوب الخمس كفريضة مالية، وتفسير أحاديث الإباحة ضمن إطار ضيق يتناسب مع هذا الوجوب، أو رفضها إذا رأوا فيها تعارضًا جوهريًا مع أصول الشريعة.
2. الرؤية الإخبارية: الإباحة المطلقة وتحدي التفسيرات
على النقيض تمامًا، يرى الإخباريون أن أحاديث إباحة الخمس، وخاصة قول الإمام المهدي (عج)، دالة على إباحة الخمس لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) بشكل مطلق في عصر الغيبة. يستندون إلى:
- صراحة النصوص: يعتمد الإخباريون على الصراحة الظاهرة في الأحاديث التي تذكر الإباحة دون تقييد واضح (“في حل إلى وقت ظهور أمرنا“، “محلل لهم ولميلادهم“). يرون أن محاولة تقييد هذه الإباحة هي تحميل للنصوص ما لا تحتمله، ولا يرون فيها تعارضًا مع القرآن، بل يعتبرونها تخصيصًا لحكم عام في ظروف خاصة.
- نقد ممارسة الأصوليين: يتهم بعض الإخباريين المؤسسة الأصولية بأنها تسعى لجمع الأموال تحت مسمى الخمس في عصر الغيبة، وأن تفسيراتهم المقيدة ما هي إلا ذريعة لذلك، معتبرين ذلك “سرقة من العوام وتلاعب بالمفاهيم لسرقة هذه الأموال”. يرون أن حكمة الإباحة هي التخفيف على الشيعة، لا إثقال كاهلهم بواجب يستحيل أداؤه في ظل غيبة الإمام.
العلة الجوهرية: الخمس وطيب الولادة في مواجهة شرك الشيطان
بعد استعراض وجهات النظر الفقهية، نعود إلى الجملة المحورية في حديث الإمام المهدي (عج): “لتطيب ولادتهم، ولا تخبث“. هذه الجملة تكشف عن العلة الأعمق والأهم لإباحة الخمس لشيعته، والتي لا تنفصل عن مفهوم “شرك الشيطان” المذكور في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام).
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ شِرْكِ اَلشَّيْطَانِ قَوْلِهِ: « وَ شٰارِكْهُمْ فِي اَلْأَمْوٰالِ وَ اَلْأَوْلاٰدِ » قَالَ: مَا كَانَ مِنْ مَالٍ حَرَامٍ فَهُوَ شَرِيكُ اَلشَّيْطَانِ، قَالَ وَ يَكُونُ مَعَ اَلرَّجُلِ حَتَّی يُجَامِعَ فَيَكُونُ مِنْ نُطْفَتِهِ وَ نُطْفَةِ اَلرَّجُلِ إِذَا كَانَ حَرَاماً.
[تفسير العياشي الجزء ٢ الصفحة ٢٩٩]
يكشف الإمام الباقر (عليه السلام) عن جوهر هذه العلاقة في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. عندما سُئل الإمام عن شرك الشيطان، أجاب بوضوح: “ما كان من مال حرام فهو شريك الشيطان“، مضيفًا أن الشيطان “يكون مع الرجل حتى يجامع فيكون من نطفته ونطفة الرجل إذا كان حراماً“. هذا الحديث يقيم صلة مباشرة وخطيرة بين المال الحرام وتدخل الشيطان في تكوين النطفة، وبالتالي تأثيره على صفات المولود وطيب ولادته، فهو على حد الزنا. ونفس هذه العلة وضحتها أحاديث الأئمة المعصومين عليهم السلام:
عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَالَ: قُلْتُ لَهُ إِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَفْتَرُونَ وَ يَقْذِفُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فَقَالَ لِي اَلْكَفُّ عَنْهُمْ أَجْمَلُ ثُمَّ قَالَ وَ اَللَّهِ يَا أَبَا حَمْزَةَ إِنَّ اَلنَّاسَ كُلَّهُمْ أَوْلاَدُ بَغَايَا مَا خَلاَ شِيعَتَنَا قُلْتُ كَيْفَ لِي بِالْمَخْرَجِ مِنْ هَذَا فَقَالَ لِي يَا أَبَا حَمْزَةَ كِتَابُ اَللَّهِ اَلْمُنْزَلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ إِنَّ اَللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی جَعَلَ لَنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ سِهَاماً ثَلاَثَةً فِي جَمِيعِ اَلْفَيْءِ ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ «وَ اِعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبیٰ وَ اَلْيَتٰامیٰ وَ اَلْمَسٰاكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ » فَنَحْنُ أَصْحَابُ اَلْخُمُسِ وَ اَلْفَيْءِ وَ قَدْ حَرَّمْنَاهُ عَلَی جَمِيعِ اَلنَّاسِ مَا خَلاَ شِيعَتَنَا وَ اَللَّهِ يَا أَبَا حَمْزَةَ مَا مِنْ أَرْضٍ تُفْتَحُ وَ لاَ خُمُسٍ يُخْمَسُ فَيُضْرَبُ عَلَی شَيْءٍ مِنْهُ إِلاَّ كَانَ حَرَاماً عَلَی مَنْ يُصِيبُهُ فَرْجاً كَانَ أَوْ مَالاً.
[الكافي الجزء ٨ الصفحة ٢٨٥]
وعَنْ ضُرَيْسٍ اَلْكُنَاسِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ : مِنْ أَيْنَ دَخَلَ عَلَی اَلنَّاسِ اَلزِّنَا؟ قُلْتُ لاَ أَدْرِي جُعِلْتُ فِدَاكَ. قَالَ: مِنْ قِبَلِ خُمُسِنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ إِلاَّ شِيعَتَنَا اَلْأَطْيَبِينَ فَإِنَّهُ مُحَلَّلٌ لَهُمْ لِمِيلاَدِهِمْ.
[الكافي الجزء ١ الصفحة ٥٤٦]
من هنا، تتجلى الحكمة البالغة في قول الإمام المهدي (عج) “لتطيب ولادتهم، ولا تخبث“. فالمال الذي لم يُخرج خمسه هو مال مختلط بحق الإمام، وبالتالي هو مال غير مطهر. التصرف في هذا المال دون إباحة شرعية يجعله في حكم المال الحرام، الذي يُفسح المجال لشراكة الشيطان في الأموال والأولاد، فيُفسد نقاء الولادة وطيبها، ويدخل الزنا. لذا، فإن إباحة الإمام للخمس في عصر الغيبة هي بمثابة تطهير شامل للمعاملات المالية لشيعته، وليس اباحة لخمس المهور كما قال بعض جهلاء الأصولية! فهذا التطهير شامل لجميع المال لدرء أي تأثير سلبي على الذرية، وحماية لهم من الوقوع في دائرة شرك الشيطان. فالخمس ليس مجرد فريضة مالية، بل هو جزء من منظومة إلهية شاملة لحفظ الطهارة الروحية والوجودية للشيعة.
أحاديث تؤكد إباحة الخمس قبل الغيبة
إن إباحة الخمس لم تكن حكرًا على عصر الغيبة فحسب، بل وردت أحاديث سابقة من الأئمة الأطهار (عليهم السلام) تؤكد على هذا التخفيف الإلهي، مما يعزز فهم أنهم كانوا على دراية بمشقة هذا التكليف على شيعتهم في بعض الظروف:
- حديث ابي بصير: عن أبي بصير وزرارة ومحمد بن مسلم، كلهم عن أبي جعفر الباقر (ع) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): “هلك الناس في بطونهم وفروجهم لأنهم لم يؤدوا إلينا حقنا ألا وإن شيعتنا من ذلك وآباءهم في حل”. وفي نسخة الصدوق “وأبنائهم”. هذا الحديث يشير إلى أن الشيعة في حل من “حقنا” (والذي قد يشمل الخمس)، وبالتالي حماية لبطونهم (مالهم) وفروجهم (نسلهم) من الهلاك الناتج عن المال غير المطهر والذي يتمثل بشرك الشيطان. [الكافي ج ١ ص ٤٠٩]
- جاء في كتاب لأبي جعفر أن رجلاً سأله أن يجعله في حل من مأكله ومشربه من الخمس فكتب الإمام بخطه: “من أعوزه شيءٌ من حقي فهو في حل”. [الكافي ج ١ ص ٤١١]
- حديث أبي خديجة: عن أبي سلمة سالم بن مكرم وهو أبو خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رجل وأنا حاضر: “حلل لي الفروج” ففزع أبو عبد الله الصادق(ع) فقال له رجل: ليس يسألك أن يعترض الطريق ويفعل ما يشاء، وإنما يسألك خادمًا يشتريها أو امرأةً يتزوجها أو ميراثًا يصيبه أو تجارةً أو شيئًا أعطيه فقال: “هذا لشيعتنا حلالٌ الشاهد منهم والغائب والميت منهم والحيّ وما يولد منهم إلى يوم القيامة فهو لهم حلالٌ، أما والله لا يحل إلاَّ لمن أحللنا له ولا والله ما أعطينا أحدًا ذمّة ولا لأحدٍ عندنا مثياق”. هذه الرواية تعد من أوضح الأدلة على الإباحة المطلقة للخمس للشيعة، وتُبرز شمول هذه الإباحة لكل ما يكتسبه الشيعي، وتأثيره على نسله. [تهذيب الأحكام ج ٤ ص ١٤٣]
في الختام، يتضح أن إباحة الإمام المهدي (عج) للخمس لشيعته، وما سبقها من أحاديث مشابهة، لم تكن مجرد تخفيف مالي، بل كانت حكمة إلهية عميقة لضمان طهارة النسل الشيعي وحمايته من دنس “شرك الشيطان” الذي يتسلل عبر المال الحرام. هذا البعد الأخلاقي والوجودي يُعطي لحديث الإمام بُعدًا أوسع من مجرد الخلاف الفقهي حول وجوب الخمس من عدمه، ويؤكد على حرص الأئمة (عليهم السلام) على سلامة وطيب ولادة شيعتهم.

When someone writes an piece of writing he/she maintains the plan of a user in his/her brain that how a user can understand it.
Thus that’s why this piece of writing is outstdanding.
Thanks!