مقدمة: شبهة الغلو وخطرها على التوحيد
لقد أًثارني مؤخراً، وأنا أتصفح شبكة الإنترنت، تعليق لأحد أصحاب عقيدة التفويض وهو يكتب بوضوح جملة في أحد التعليقات: “الحمد لله تعالى على هذه النعمة العظيمة وهي ولاية الرب علي عز وجل”. هذه الجملة أثارت استغرابي لمدى مستوى الجهل المركب والخلط في الفهم الذي يحمله متبنو عقيدة التفويض، وتحديداً عدم فهمهم للفارق الجوهري بين المعنى اللغوي العام لكلمة “الرب” وبين معناها الاصطلاحي المستخدم في الخطاب الديني. مما دفعني إلى كتابة هذه المقالة لبيان خطورة هذا الفكر ودحضه بالبراهين. القطعية
إن من أخطر الشبهات التي تروج لها بعض الفرق المنحرفة، والتي تُعرف بـ”المفوضة”، هي دعواهم بأن أهل البيت (عليهم السلام) هم “الخالقين والرازقين” بإذن الله تعالى وعلى أنهم أيضاً “أرباب”! هذه الدعوى، بالإضافة إلى كونها تمثل غلواً فاحشاً وخروجاً عن عقيدة التوحيد الصافية، فإنها تكشف عن جهل عميق باللغة العربية ومقاصد الشريعة الإسلامية. فالإشكال الجوهري يكمن في إعطاء الأئمة (عليهم السلام) صفات هي لله وحده، وتحديداً الربوبية، التي تعني في صميمها “المعبودية”.
مغالطة الفهم اللغوي والاصطلاحي للفظ “الرب”
إن أساس هذا الضلال يكمن في عدم التفريق بين المعنى اللغوي الواسع الذي قد يسُتخدم في سياقات غير دينية، والمعنى الاصطلاحي الديني الذي قصرته الشريعة على الله عز وجل وحده.
- المعنى اللغوي للرب (خارج الخطاب الديني): في اللغة العربية، يمكن أن يأتي لفظ “الرب” بمعنى المالك، أو السيد، أو المربي، أو المتكفل، أو صاحب الشيء. فمثلاً، يقال “رب الدار” أي صاحبها، و”رب الإبل” أي مالكها، و”ربة المنزل” أي سيدته. ومن الأمثلة القرآنية على استخدام “الرب” بمعنى السيد أو المالك البشري في سياق غير ألوهي، قول الله تعالى على لسان يوسف (عليه السلام): ﴿يَٰصَىٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًا ۖ﴾ [سورة يوسف: ٤١]، حيث “ربه” هنا يقصد به سيده المالك. وفي هذا السياق اللغوي البحت، قد يطُلق اللفظ على البشر مجازاً في بعض المواضع التي هي خارج نطاق الخطاب الشرعي.
- المعنى الاصطلاحي للرب (في الخطاب الديني): إلا أن الشريعة الإسلامية، ومصطلحاتها، قد اختصت لفظ “الرب” في إطلاقه على “المعبود”. وهذا المعنى لا يمكن أن يؤُول أو يصُرف لغير الله تعالى، فهو وحده المستحق للعبادة والطاعة المطلقة. ويشمل هذا المعنى كونه سبحانه الخالق، الرازق، مالك الملك، الذي لا شريك له في ربوبيته وإلوهيته. وهذا المعنى الاصطلاحي هو الذي قصده القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) في مقام الحديث عن الله عز وجل.
إن المفوضة يقعون في خطأ فادح عندما يأخذون بالمعنى اللغوي العام لكلمة “الرب” ويحاولون إسقاطه على أهل البيت (عليهم السلام) في سياق ديني، متجاهلين أن هذا الإطلاق في سياق الخطاب الديني لا يجوز إلا لله سبحانه وتعالى. إن “الرب” و”رب العالمين” و”رب السماوات والأرض” هي أوصاف لله تعالى وحده، ولا يجوز نسبتها إلى غيره.
الأدلة القاطعة من أهل البيت على بطلان هذا القول
إن عقيدة أهل البيت (عليهم السلام) هي عين عقيدة التوحيد الخالص، وقد حذروا مراراً وتكراراً من الغلو فيهم، ومن إضفاء أي صفة من صفات الله تعالى عليهم، وخاصة الربوبية (المعبودية). ومن أبرز الأدلة على ذلك تصريحاتهم الواضحة:
- عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال:“لا تتجاوزوا بنا العبودية، ثم قولوا فينا ما شئتم ولن تبلغوا، وإياكم والغلو كغلو النصارى فإني بريء من الغالين.” (الاحتجاج ج٢ / ص ٢٣٣)
- توضيح: هذا الحديث صريح في نفي أي صفة تتجاوز العبودية عنهم، ويحذر من الغلو الذي يخرج عن نطاق البشرية.
- توضيح: هذا الحديث صريح في نفي أي صفة تتجاوز العبودية عنهم، ويحذر من الغلو الذي يخرج عن نطاق البشرية.
- وعن الإمام الصادق (عليه السلام):“اجعلوا لنا رباً نؤوب إليه وقولوا فينا ما شئتم.” (المحتضر/ ٦٥ مختصر بصائر الدرجات / ٢٠٤)
- توضيح: هذا القول يؤكد على ضرورة وجود رب واحد يعُبد ويرجع إليه، وأن الأئمة ليسوا هم ذلك الرب.
- توضيح: هذا القول يؤكد على ضرورة وجود رب واحد يعُبد ويرجع إليه، وأن الأئمة ليسوا هم ذلك الرب.
- وعنه (عليه السلام):“لا ترفعوا البناء فوق طاقتنا فينهدم، اجعلونا عبيداً مخلوقين وقولوا فينا ما شئتم.” (بصائر الدرجات/ ٢٦١)
- توضيح: هذا الحديث يلخص عقيدة أهل البيت في أنفسهم؛ فهم يقبلون الإطراء في فضلهم العظيم، شريطة أن يبقى مقامهم لحد العبودية لله، وليس الربوبية.
هذه النصوص الواضحة من أقوال الأئمة (عليهم السلام) أنفسهم، تدحض بشكل قاطع دعوى المفوضة، وتؤكد على أن الأئمة ليسوا بأرباب، بل هم عبيد مخلوقون مربوبون لله تعالى. لم يدعّوا لأنفسهم قط أي صفة من صفات الربوبية، بل كانوا قمة في العبودية والتذلل لله، يدعونه ويتضرعون إليه ويستغيثون به، تماماً كما يفعل أي عبد صالح. إن من يقول بخلاف ذلك فقد خالف صريح الكتاب والسنة وتصريحات الأئمة الأطهار (عليهم السلام) التي هي حجة على كل مسلم.
خاتمة: دعوة للعودة إلى التوحيد الخالص
إن إطلاق لفظ “الرب” على أهل البيت (عليهم السلام) هو جهل مركب، ينبع من عدم التمييز بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، ويقود إلى شرك القول والوصف بشكل صريح في ربوبية رب العالمين. أهل البيت (عليهم السلام) هم حجج الله على خلقه، وأئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وأبواب الرحمة، ولكنهم في نهاية المطاف “عباد مكرمون” لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. فليتق الله من يدعي هذا الغلو، وليعد إلى جادة الصواب والتوحيد الخالص الذي أمرنا به الله ورسوله وأهل بيته الأطهار.
